أحلام في الارض البعيدة
سدير ساكو

اقترب المساء يجمع بقايا الشفق المتعلقة بأذيال السحب الصغيرة وسكنت الاجواء من اغاني العصافير بعد ان راودت اعشاشها ولبست السماء ثوب الليل المنقوش بتطريزة النجوم واشعلت مصباح القمر الخافت واستراحت تراقب من فوق احلام المساكين وتصغي لاحاديث العشاق والاحبة ومن بينهم (ألبير وريما )الجالسان في بيتهما الصغير ينظران من النافذة لاشكال النجوم ويشاطران احاديث اليوم وأماني الغد البسيطة، وفي حضن ريما كانت الطفلة التي اهدتها السماء قبل أربعة اشهر ترضع مستأمنة بصوت والديها.

هكذا مرَّت الايام مفعمة بالحب والسرور. في النهار كان ألبير يفلح ارضاً صغيرة تدُّر قوت العائلة، تعينهُ فيها زوجتهُ وفي المساء كانا يجلسان قرب الدار ممتعين انظارهم بسحر السهول المنبسطة وصوت خرير الجدول القريب في ليالي الصيف الدافئة، وفي الشتاء حول المدخنة يتسامران حتى يغلبهم النعاس ولا يقلق نومهم الهادئ إلا انامل الفجر الجميلة لاستقبال يوم جديد.
بدأت الاحلام تكبر وتتعالى، ولم يعد البيت الصغير والارض البسيطة تسعهما، وفي احد الايام جاءت ريما كالعادة تجلب طعام الغداء وعلى ظهرها طفلتها. وبعد ان فرشت الارض واراحت الطفلة تحت ظلّ شجرة، جلسا بجانبها ليتناولا وجبة الغداء. فقالت ريما حين رأت الشرود في وجه ألبير

- ما بالك يا حبيبي أراكَ مهموماً اليوم.

فالتفت إلى الطفلة وقال:
- كلما نظرت الى اينجي، احسست بان عليّ ان افكر في طريقة ما او عمل آخر يدرُّ مالاً كافياً استطيع فيهِ ان اضمن لها مستقبلاً جيداً، بغض النظر عما نحن بحاجة اليه الآن.
- أنت على حق يا ألبير، فانا ايضاً اتمنى ان اشتري لها كل شيء الآن وكل ماتطلبهُ حين تكبر، وان نستطيع ان نعيش في بيت جديد واكبر من هذا البيت وربما اقرب الى المدينة.
- وانت ايضاً ياعزيزتي، اود ان احقق لك كل ما تحلمين بهِ، حتى سيارة جديدة مثل ما فعل الكثير من رجال القرية.
- ولكن كيف تستطيع فعل ذالك يا ألبير.
- لقد فكرت كثيراً يا ريما ولم اجد غير الحل الذي سلكُه الكثيرون ونجحوا وتحسنت احوالهم، وها هم اليوم يعيشون برفاهية بل يعدَّون من الاغنياء.
- وما هو يا ألبير؟
وبعد لحظة صمت نظر ألبير إلى السهول المترامية امامهُ وقال،
- ان اسافر.

كان هول الكلمة صاعقاً في مسامع ريما حتى اوقع من يدها قطعة الخبز وكأن المستقبل قد تجلى امامها ورأت طريق الآلام حيث لم تفكر ولو للحظة انها تستطيع ان تعيش بعيدة عن ألبير فقالت بحنق،
- إلى اين تسافر يا ألبير، وماذا نفعل نحن هنا.

فقال وهو يهدئ من روعها،
- إلى حيث يسافر الآلاف من الناس للعمل. وتبقين انت قريبة من اهلك وتفعلين مثلما تفعل الكثير من النساء االواتي يسافر ازواجهن. اعمل انا هناك واجمع المال وابعث لك، وانت هنا تبداين بتحقيق احلامنا. اجل يا حبيبتي نبني بيتا كبيراً نملؤهُ بالآثاث الجديدة الجميلة وتبتاعين انت كل ما تحلمين بهِ من ملابس وحلى، حتى سيارة خاصة تنقلنا اينما رغبنا، ولابنتنا نخصص غرفة جميلة مليئة بالدمى والألعاب. وتوفرين مالاً كافياً لأعود وابدأ عملاً جيداً يدرَّ لنا ارباحاً وافرة، دون ان اعرق واتسخ بالتراب كل يوم، كمحل الانترنيت مثلاً. يقولون انهُ مربح جداً، ونستطيع من خلاله ان نضمن مستقبلنا ومستقبل اولادنا.
ثم اكمل حين راى الحيرة والقلق يغطيان ملامحها كما تغطي السحب الكالحة صفوّ السماء

- ألم تخبريني بنفسك اكثر من مرة إن هذا ما فعلتهُ الكثيرات من صديقاتك مع ازواجهن، وهم الآن ميسورون يمرحون بالمال، أليس هذا صحيحاً؟ ثم السنا نفعل هذا ونفكر في التضحية من اجل اينجي واولادنا في المستقبل؟

سادَ الصمت وبدا كل منهما على حدى في صراع بين الاحلام الجميلة وألام الفراق التي تنتظرهما لتحقيق هذهِ الطموح والرغبات التي لاحدود تحدها، كالصراع القائم بين شهوات الجسد وتأنيب الضمير. وانتصرت الرغبات والمغريات لانها احكم بخفايا ضعف الانسان وميوله. وجاءت تلك الساعة التي مزَّقت قلبيهما بسيف الفراق ففرت الراحة والسعادة والطمأنينة حين وجدوا الحب جريحاً وجاءَ القلق والحزن والألم واصبحوا لكليهما رفاقاً... وضع حقيبتهُ على الارض واقترب يمسح دموعها المريرة وعيناهُ مغرورقتان، ثم حضنها
بقوة وهي تحمل أبنتهما ليهدئ من حزنها وهمس في اذنها بصوت مرتجف،

- ريما، ريما حبيبتي، تشجعي انها مجرد سنتين وساعود، مجرد سنتين ونحقق كل شيء. ارجوك كفى انك تمزقين احشائي.

وانطلق وهو يشعر وكانهُ محكوم ينتظرهُ سجانهُ. هكذا اصبحت ريما بالرغم من قربها من اهلها وصديقاتها تشعر بوحدة قاتلة تجلس الليالي وحيدة تغالب دموعها كالارملة التي سلبت الحرب بعلها, وهي ترضع ابنتها قبل ان يحملها النعاس إلى عالم السكون وفي ذهنها وتفكيرها لايتردد غير شي واحد وهو، يا ترى اين انت الان يا ألبير، وماذا انت فاعل، ولِمَ لسنا معك؟

كانت الطريق شاقة وخطرة للوصول إلى تلك البلاد، وبعد قرابة شهرين وصل ألبير منهكاً من الخوف والتعب والحزن والقلق. وراى المدينة المتطورة وشاهد ابنيتها الجذابة واضوائها الخلابة وبهرجتها وشوارعها المزينة وحدائقها المنسقة وكانها عالم غير عالمهُ، وانبهر بها واحسَّ للحظة وكانها مليئة بالحياة لحركتها الدائمة وشوارعها المكتظة بالناس، وتمنى لو استطاع ان يجلب ريما واينجي ليعيشوا هنا جميعاً.

كانت البداية شاقة ومضنية حتى تعرف هناك على رجل مغترب مثلهُ فعرض عليه ان يقيم معهُ في الغرفة التي يسكن. ثم حالفه الحظ بعمل كان مسروراً جداً به رغم مشقتهِ وقذارتهِ وساعاته الطويلة والتي تبدأ مع الفجر ولاتنتهي إلا بحلول الليل. فقد كان يذهب كل يوم ويؤجر دراجة ذات ثلاث عجلات تجرُّ خلفها عربة يملؤها بما تخلفهُ الشوارع من علب فارغة وصناديق ورقية ومعدنية والعلب الزجاجية وغيرها، ثم يأخذها إلى الشركات التي تقوم باعادة تصنيعها.

كانت الغرفة صغيرة جداً تكاد تسع لسريرين وفي احدى زواياها طاولة خشبية تحمل مشعل غازٍ صغير ذو عين واحدة وبجانبه سلة تحتوي بعض الصحون والملاعق وابريق للشاي تركت السنين عليهِ حروقاً. ومن السقف تدلى مصباحٍ كهربائي مائل الى الاصفرار، اما فوق سرير العم بشير فكانت صورة معلقة للقديس ماركوركيس وهو يحارب التنين وتحتها صورتان احداهما للسيد بشير مع افراد عائلته والاخرى لابنته الصغيرة في سنتها الثالثة.

كان ألبير مسروراً للغاية حين قارن ما يحصله من نقود مع اجرة العامل في بلدهِ، وهكذا بدأ يجمع ويحلم بريما وهي تبدأ بمشاريع المستقبل في قريته متحمساً دائماً بما يحدثهُ العم بشير من نجاحات وتطورات مادية في حياتهِ خلال السنوات العشرين من غربتهِ, صحيح ان زيارته الأولى كانت بعد ثمان سنين من غربته ولكنه الان قد حصل على الاقامة الدائمية ومن خلالها يذهب لزيارة عائلته كل سنتين تقريباً. اما البير فقال لهُ حين سمعهُ يتحدث عن سنين الفراق الطويلة.

- بالنسبة لي فقد جئت لاقضي هنا سنتين لا اكثر واعود.
فضحك السيد بشير وقال،
- سنتين؟ اجل هكذا بدأنا جميعاً وسنة تجر سنة وها انا الان ساكمل العشرين عاماً في هذهَ البلاد زرت فيها عائلتي حوالي خمس مرات وهذهِ الزيارة ستكون السادسة على ما اظن.
- ولكن هذا عمرٌ باكملهِ يا عم بشير!
- يا ابني سنتين لن تنفعك بشي، ولن تغير من حياتك، بالكاد تستطيع ان تجمع ما انفقتهُ للوصول الى هنا وسوف ترى بانك كلما بعثت بالمال وبنيت او اشتريت شيئاً هناك، كلما زادت رغبتك في البقاء والحصول على المزيد. اليست هذهِ طبيعة الانسان؟

وكما يسطو الضباب على الوديان في ليالي الشتاء هكذا داهمت الكآبة نفس ألبير حين سمع هذا واسترسل يفكر بريما وابنته. حتى قطع سلسلة افكارهُ العم بشير وهويكمل قائلا،

- اني انتظر الاسبوع القادم بفارغ الصبر فشوقي لا يوصف لرؤية عائلتي وبالاخص ابنتي الصغيرة التي تبلغ الان الخامسة من العمر مع اني آسف لاني ساتركك وحيداً لشهر كامل.
- لاباس، لاباس يا عم بشير المهم ان تجتمع مع عائلتك.

بقي ألبير وحيداً طوال المدة، لا تفارق افكاره رفيقة حياته وابنته والحزن والكآبة يتسللآن إلى قلبه كما يتسلل اللص إلى مكان الكنز في ساعات الظلام. لكنه كان يشجع نفسه دائماً بحديث العم بشير ونجاحاته فقد كان فقيراً جداً حين قدم قبل عشرين عاماً وهو الان يملك ما يعد قصراً في قريته وبيت آخر مؤجر واربعة محلات مؤجرة ايضاً وسيارة لكل من زوجته وابنه وابنتهِ الكبيرة وهما الان يدرسان في جامعات ممتازة، وما زال يعمل ويكد ليحقق طموحات اكثر.

عادَ العم بشير وسعد البير لعودتهِ فالرفيقُ يخفف وحدة الغربة القاتلة، ولكن هذهَ المرة لم يكن العم بشير على عادتهِ فقد غابت عن وجهه الابتسامة وبدا بائساً حزيناً غاية الحزن منطوياً على نفسهِ، كالشجرة التي جفتَّ الساقية المارة بجانبها وكلما حاول ألبير ان يعرف السبب، لزم الصمت وانكفأ جانباً.

في القرية الصغيرة كانت الاشهر تمضي قدماً، وفي احدى الليالي التي نشر فيها القمر اشعتهُ الشفافة على تلك التلال والسهول، نظرت ريما من خلال النافذة ورأت اشباح الاشجار المهملة في مزرعتهم المهجورة، وتذكرت كم كانت تعشق الليالي القمرية وهي مع ألبير يتسامران بهدوء وهما يحتسيان فنجان القهوة. فداهمها الشوق بشدة واحست بوحدة قاسية كبدت انفاسها فهرعت واحظرت قلماً وورقة وجلست على الطاولة وبعد ان اغمضت عينيها الدامعتين لبرهة والقلم يرتجف بين اصابعها كتبت،

باسم الآب والحب والحياة
حبيبي ألبير، انا الآن جالسة في الغرفة الصغيرة عند النافذة اكتب لك على لهب شمعة، واينجي
نائمة بهدوء في سريرها.... ألبير، لا اخبىء عنك شيئاً، بل اخبرك بما في قلبي وليس بما في عيوني من دموع مريرة. اني ارى نفسي تذبل كتلك النباتات التي تركتها حتى يبست وخنقتها الاشواك، كل شي حولي حزين يا ألبير، البيت والحقل والناس والاشجار والطيور التي تعششها، حتى الجدول الجميل الذي كنا نزورهُ دائماً لم يعد جريانهُ ينعش نفسي ولا خريرهُ يؤنسني بل يزيدني هماً ووحدة. أينجي الان تستطيع الوقوف واالسير وهي تجوب البيت والابتسامة تملأ وجهها الرائع والبراءة تنير ملامحها ولكن في عينيها ارى حرمان لايعوضه غير وجودك... ألبير انا لم اعد اريد شيئاً، لا بيتاً جديداً، ولاسيارة ولا مالاً وذهباً ولا شي غير وجودك معنا فهذا هو حلمي الجميل الآن الذي لن اقايضهُ باي شيء. لقد تعلمنا منذ الصغر بان الرجل يترك اباه وامه ليتحد بامرأته فكيف ينفصل عنها من اجل مغريات الحياة. اني اكتب اليك يا حبيبي واناشدك بان تعود الينا مسرعاً، الى زوجتك وطفلتك وبيتك وحقلك ولا تدع الايام تمر دون ان نشبع انظارنا بوجهك فلا معنى للحياة ونحن في فراقٍ اختارته لنا ميولنا، تعال لتطرد ظلمة نفسي وتملأ قلب اينجي فرحاً وتمسح الحزن من ايامنا وايامك فتعود لنا السعادة التي رحلت برحيلك. تعال الى حقلك وارضك ولنعمل من جديد معاً فتعود الحياة اليها والينا، تعال يا البير فاني اسمع المحبة تنادينا لتضمنا في احضانها.
ريما واينجي ينتظرانك بشوق عظيم
رفيقة حياتك ريما

وذات مساء بعد ان رجع البير والعم بشير من العمل احضر البير الشاي ووضعه امام العم بشير وقال:
- لقد شعرت بوحدة كئيبة حقاً حين غادرت. ولكني كنت سعيداً من اجلك واجل عائلتك، فهذا ما انا متعطش اليهِ لا غير.
فقال العم بشير بصوت ضعيف،
- ليتني ما ذهبت، ان ما كنت اشعر به قد تحقق.
- ما الذي حصل يا عم بشير ارجوك اخبرني.
- اشعر انني خسرت كل شي، خسرت عائلتي، خسرت حياتي وذهب تعبي وشقائي سدى.
- ما الذي جرى يا عم بشير، هل اصاب عائلتك مكروه لا سمح الله.
التفت العم بشير االى الصور المعلقة في الغرفة وقال وعيناهُ مغرورقتان بالدموع السخينة
- لقد احسست في السنوات الاخيرة ان الاشياء بدات تتغير، اجل شعرت بان زيارتي لم تعد تحمل اليهم لوعة اللقاء وحرقة الفراق، لم اعد اشعر في عائلتي بمثل الحنين الذي يغلي في قلبي، لقد ضحيت بشبابي وقاسيت الوحدة والفراق وعذاب الغربة ومذلتها من اجلهم وجاء اليوم الذي يقولون لي فيه باني لم اكن متواجداً معهم حين احتاجوا الي.

ساد الصمت لحظة ورفع العم بشير يده يمسح دموعهُ واكمل قائلاً بسخرية.
- لقد قضيت مع ابنتي الكبيرة ثلاثة ايام فقط، ثم قالت بان عليها ان تلحق بالمدرسة الداخلية لتعوض بعض دروسها المتاخرة. اما ابني البكر، فقد اتصل مرة وقال بانه سوف يتاخر بضعة ايام لانهُ ذاهب في رحلة جامعية مع رفاقهُ وقبل ان تنتهي مدة زيارتي بيومين اتصل ثانية واعتذر لانه لن يستطيع الوصول قبل رحيلي فقد مددَ الرحلة لزيارة مناطق اخرى ولم يستطيع مقاومة الحاح رفاقهِ في البقاء. اما زوجتي، فلم تشاركني الحديث إلا وكان جدالاً ونقاشاً حاداً، فهي تقول لي بعد كل هذه السنين وهذهِ التضحيات، بانها كانت تواجه كل شي لوحدها واني لم اكن متواجداً لاشاركهم مسؤلياتهم.

وانقطع العم بشير والتفت الى البير وفي عينيه الغضب واكمل بصوت هائج قائلاً،
- دُون ان يلتفتوا لحظة واحدة ليروا اين كانوا وكيف اصبحوا الآن. دون ان يفكروا لدقيقة كيف يعيشون هذهِ الحياة الكريمة وكيف يتمتعون بما يملكون. دون ان يشعروا للحظة ما عانيت وقاسيت من اجل ان يصلوا لما هم عليه الان.

هدأت ثورة العم بشير والتقط صورة ابنتهُ الصغيرة المعلقة وقال بصوت هادئ وهو يرنو اليها.
- لقد كانت الوحيدة التي احسست بحبها، صحيح انها في الايام الاولى ابت ان تاتي عندي، فقد كانت نظراتها الي كشخص غريب اسمه ابي قد جاء الى البيت، لكن بعدها كنت اقضي معظم الوقت معها. فقد بكت قبل ان ارحل وطلبت مني البقاء وقالت بانها لاتريد اية هدايا ولن تطلب سيارة حين تكبر بل تريدني ان ابقى معها الى الابد. لكني اخبرتها بانها صغيرة ولاتدرك باني الان اغادر واتغرب من اجلها كي اضمن لها مستقبلا آمناً وحياةً كريمة واتمنى لو تتذكر ذلك حين تكبر، وليس مثل الباقين.

اخذ العم بشير نفساً عميقاً ثم استطرد وانظارهُ شاردة،
- كنت دوماً اقول ان يوم العودة قد اصبح قريباً، لارجع لبلدي وعائلتي واقضي ما تبقى من العمر معهم دون ان نقلق بشان امور الحياة، ولكن الان اشعر بان لا مكان لي هناك. اجل هنا ساعمل واعيش وحيداً واموت وادفن في بلاد الغربة. ثم انكفأ براسهِ يغطيه بالصورة والغصّات تخنق انفاسهُ.

كان ألبير يعاني الحزن نفسه فقد كان الفراق يمزقه وعذاب الحنين يطحنهُ ليس لانهُ فكَّر بأحاسيسه وغلبهُ الضعف, بل بفكرهِ وقلبهِ علم بأن لامعنى للحياة ان لم يشاركه فيها محبيهِ، وها قد مضى عليهِ الآن ثمانية اشهر يعمل فيها ويجمع ويرسل ما استطاع، ولكن شبح الحزن كان يثقل على كاهله وظلت كلمات الطفلة التي سمعها من العم بشير تدوي في اعماقه فقال وفي صوتهِ دفء المحبة.
- لِمَ لاتعود ياعم بشير، لِمَ لاتعود من اجل طفلتك؟
- ومن سيضمن لها مستقبلها؟
- كفاكَ من المستقبل، اليس هذا هو المستقبل الذي تتحدث عنه الان بدموع وأسى. اي مستقبل هذا الذي فيهِ خسرت أجملَ ما في الحياة. وما هو المستقبل الذي ظمنته لهم؟ البيوت، السيارات، الملابس الفاخرة والحلي الثمينة والجيوب الممتلئة بالمال، وفي اي جزء من القلب تقبع هذه الاشياء واية محبة هي هذهِ التي تضحي بلحظات وايام الحياة الخالدة من اجل هذهِ الزائلات.
وحين نظر اليه بشير باستغراب، استطرق ألبير بنبرة خفيفة قائلاً
- سامحني ياعم بشير ان كنت قد تطفلت في امور حياتك لكني اشعر بحاجة طفلتك لمحبتك ووجودك قربها.
- اعرف هذا لكننا لا نستطيع نكران الواقع، الحياة الان مختلفة، سياتي يوم ستطلب فيه اشياء كثيرة وان كنت جالساً بجانبها لن استطيع تحقيقها لها، هذا واقع الحياة ولا مفرَّ منهُ.
- ها هي الان طفلتك تطلب منك شيئاً رائعاً، تطلب وجودك، محبتك، حنانك، قربك، فلمَ لا تحققهُ لها؟
- انها الان طفلة ولاتفهم الحياة ومتطلباتها.
- بل نحن هم الذين لا يفهمون الحياة ومتطلباتها وطفلتك تعرف معنى االحياة. لذا الاطفال سعداء دائماً ونحن لسنا ولن نكون يوماً ان لم نرَ الحياة كهؤلاء الاطفال.
- هذا هراء فحين تكبر لن تقول ما تقولهُ الان.
- بل حين تكبر ستشعر دائماً بالفراغ العظيم الذي خلفهُ غيابك ولن تملؤهُ تضحياتك من اجل مستقبلها، فهل تثمرُ شجيرة الكرمة ان لم يقلمها الكرام ويفلح ارضها حتى ان لاقاها مطر الخريف؟
- الواقع غير ما تقولهُ انت.
- ولكن ياعم...
- ولكن ماذا، ألا ترى الآلآف من الناس يهاجرون من اجل ان يبنوا مستقبلهم ويعيشوا حياة افضل، الست واحداً منهم؟
- لا خطأ في ان نبغي الرقي في الحياة، بل الخطأ في الرقي على حساب اجمل ما في الحياة، وانا هنا قد جرفني التيار معكم، التيار الذي لا تنتشلك من هيجانهِ غير المحبة وحكمة الحياة. ثم توقف ألبير لبرهةِ وانشرحت نفسهُ واكمل.
- اجل ياعم بشير، لقد كان كل هذا يختلج في قرارة نفسي وها قد جاءت الساعة لتقولهُ شفتاي وتسمعهُ اذناي، الحياة ياعم بشير نظرة حب في عين محبيك، الحياة يا عم بشير قبلة على جبين اولادكَ وابتسامة على شفتي رفيقة حياتك، الحياة قدح شاي مع والدك وصوت حنين من والدتك ينادي باسمك، الحياة هي وجبة طعام مع اصدقائك واقربائك ومحبيك، هي دمعة تمسحها يد حنون، هي ألمٌ تخففهُ نظرات عزيز، هي غربة تؤنسها رفقة حبيب، هي شقاء وهموم تزيلهُ ارتماءة اولادك في حضنك الحنون, هي شروق ينير قلبك حين يضئ عشك الصغير، ، الحياة يا عم بشير غروب عند الافق ترقبه بسكون مع رفيقتك، بجسدين ساكنين وروحين مرفرفين ولكن بقلب واحد.
كانت الدموع قد انزلقت على وجه ألبير وارتسمت على شفتيه ابتسامة واكمل بصوت ملؤه الامل قائلاً:

- انا عائد ياعم بشير، عائد الى الحياة التي هجرتها قبل ثمانية اشهر قبل ان يطفىء التيار الهائج لهيبها، قم انت ايضاً وعد الى بيتك واولادك وزوجتك وشاركهم كنز الحياة الذي سرقته منك الطموحات الزائفة الزائلة. هيا يا عم بشير لنحزم حقائبنا ولتكن هذه الليلة مليئة باحلام اللقاء الدافئة.

استيقظ ألبير قبل خيوط الفجر والفرحة تغمر قلبه كما يملأ الندى كؤوس الازهار، وخرج مسرعاً ليبتاع بعض الهدايا لزوجته وطفلته ومحبيه. وحين عاد في الصباح لم يجد العم بشير هناك، استغرب ألبير وانتظر لبعض الوقت ولكنهُ لم يعد. اخذ ألبير حقائبه وخرج واوصد الباب خلفه، ومرَّ بالمكان الذي كان العم بشير يعمل فيه فرآه من بعيد يدفع عربة العمل فصرخ اليه ألبير وحين التقت عيناهما لبضع ثوانٍ اخفظ العم بشير راسهُ بيأس واستطرق يدفع العربة. فقال ألبير في نفسه،
- ان هموم الحياة ومخاوفها ورغباتها قد خنقت الحياة في نفسك ولم تسمح لكلمات الحب ان تحررك من قيودها. ثم رفع بصرهُ نحو السماء التي اظهرت اشعة الصباح ازرقاقها وقال،
- اما انا يا ريما فعائد اليكم، اليك والى الحبيبة اينجي ويد الحياة االكريمة السخية لن تفرقنا ابداً، بل معاً سنحب الحقل والكرم، ومعاً سنجلس تحت ظل الشجرة تحيطنا الازهارالباسمة وتطربنا العصافيرالمغردة لنقتسم لقمة طيبة، معاً سوف نشرب من الينبوع ونعبر النهر ونراقب الوان الشفق منتظرين المساء واشكال النجوم، انا عائد ياريما ومعاً سوف نتذكر الامس ونعيش اليوم ونحلم بالغد ومعاً سوف ننسى ايام الفراق في الارض البعيدة.

                                                                                                         ******
                                                                                                            ***
                                                                                                              *

Cideer_saco@yahoo.com

August 11, 2011

العودة للصفحة الرئيسية                 العودة لأرشيف الكاتب