شتان ما بين رفض الشقيق وترحيب الغريب
صباح دمان
 

حينما يروم حامل الكرين كارد الأمريكي الحصول على الجنسية الأمريكية بعد خمس سنوات من إقامته في الولايات المتحدة، ينبغي عليه إجتياز إختبار للمعلومات في مقابلة خاصة مع شخص مسؤول لتقييم تأهله ليصبح مواطناً أمريكياً. روى لي أحد الأصدقاء الذين إجتازوا تلك التجربة بنجاح قبل عدة سنوات، وهو يتذكر بإعجاب كيف ألقى عليهم ذلك المسؤول بعد ترديد القسم كلمة عميقة في معانيها، عبّرَ فيها عن القيم الأخلاقية والحضارية التي يحملها والسلوك الشفاف الذي يتميز به، والمشاعر الإنسانية الرفيعة التي يجب أن يظهرها الموظف الذي يكون في موقع المسؤولية حينما يتجرد من أدران التمييز الأعمى ومخلفات التعصب المقيت ورواسب الماضي البغيض، حين قال لهم باللغة الإنكليزية وما معناه: اليوم أصبح كل منكم مواطناً أمريكياً له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات، ولكن حذاري أن تنسوا أصولكم التاريخية وإرثكم الحضاري، تمسكوا بتراثكم الثقافي وحافظوا على لغتكم العريقة وإفتحوا نوافذ جديدة في وطننا لتضيفوا رافداً جديداً لما نملك من تنوع متجانس وتنافس إيجابي في كافة أوجه الحياة، إنكم بذلك تساهمون في تشييد حصانة لأجيالنا وقوة لوطننا وإرتفاعاً لبنياننا ورونقاً لمكونات مجتمعنا. تفاعلوا مع مجتمعكم الجديد في الأخذ والعطاء لكل ما هو خير لمستقبل أجيالنا ومثمر لوطننا، وأضيفوا إلى نسيجه الإجتماعي المتنوع متانة ليتكامل بكم.

وبينما كان صديقي مسترسلاً في حديثة بعفوية وإبتسامة صادقة، لاحت أمامي صورة مناقضة قاتمة لما يحدث في الوطن وتذكرت بمرارة ماذا يفعل الأشقاء الذين يرفعون رايات مضلِلة بأننا شعب مسيحي واحد، يربطنا التاريخ المشترك منذ ألاف السنين والواقع المأساوي الحالي والمستقبل المجهول الذي ينتظرنا، ولكنهم وبكل أسف يصرِون على تهميش أشقائهم وإغتصاب حقوقهم وإنكار وجودهم وإقصاء ممثليهم عن الساحة السياسية حتى وصل الحال الى التحريض ضدهم ومحاربتهم بأرزاقهم لو تمسكوا بهويتهم وإفتخروا بقوميتهم، أو لم يصوتوا إلى مرشحيهم في الإنتخابات الماضية، بينما قدموا الإغراءات والمكافئات لمن أعلن الولاء لهم والخضوع لمطاليبهم. صدق طرفة بن العبد حين قال: "وظلم ذوي القُربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند."

هل أمست تسمية شعبنا بأية صيغة اليوم أهم من وحدته ومصيره ومستقبله؟ وماذا سنفقد لو توحدنا وقلنا نحن شعب واحد بثلاث مكونات تاريخية مطرزة بنسيج إجتماعي متجانس ( كلدانية وأشورية وسريانية) ككثير من شعوب الأرض المكونة من عدة قوميات، وتعيش بمحبة وتأخي وإنسجام؟ وماذا يخفي الإصرار والإستقتال على أن الكلدانية طائفة مسيحية وليست قومية؟ ومن المستفيد من إستهداف قوميتنا وتمزيق صفحات تاريخنا؟ ولماذا يُحارب كل من يقول بأن هويته كلدانية وينعت بمصطلحات تافهة مثيرة للشفقة لمن يكررها: إنفصالي، إنقسامي، منشق(عن من!) قومجي (أليس الأشوريون بلا إستثناء قومجيون حتى النخاع!)؟ لماذا لا يُطلق على شقيقنا السرياني ذات الصفة وهو يعلن عن هويته القومية السريانية؟ ولماذا الكلدان من بين كافة القوميات العراقية محرومون من التمثيل في البرلمان العراقي والكردستاني وكافة مفاصل الدولة العراقية الاخرى؟ هل يدفع الكلدانيون اليوم فاتورة افعال اجدادهم؟

ثم، هل يُعقل ونحن في القرن الواحد والعشرين أن نبتكر قومية جديدة وأن يُجيب مسيحياً حينما يُسأل عن قوميته بانه لا يعرفها وسيكتشفها قريباً، أو بانه (كلداني سرياني أشوري)، خاصة حينما يكون أشورياً، دون أن يثيرالإستغراب والإنتقاد من أبناء قومه والغرباء على حدٍ سواء؟ مثلما يُسأل عراقي عن قوميته فيجيب بانه (عربي كردي تركماني... )، وهل يمكنه أن يدون ذلك في حقل القومية في إستمارة الاحصاء في التعداد السكاني القادم دون تردد وحيرة وإرتباك، يرافقهم شعور بالنقص وتوبيخ للذات وعدم الوفاء للأجداد.

كم ضحينا بمناصب ومواقع وإستحقاقات برلمانية وإدارية ووظيفية وإجتماعية وثقافية وغيرها بعد سقوط النظام السابق من جراء هذا التشرذم الذي إحدى نتائجه تشتت مكونات شعبنا وتقوقع أحزابنا وإنغلاقها على ذاتها وتذبذب علاقاتها ما بين التحاور ظاهرياً وما بين الغطرسة والإنتهازية وتفضيل المصالح الشخصية في واقع الحال؟ كم قدمنا من خسائر في معاركنا على لون رايتنا، بينما أهملنا قضايانا المصيرية وتجاهلنا ما يجمعنا ويوحدنا وألغينا المساحات المشتركة الكثيرة بين مكونات شعبنا؟ كم هي اعداد من المهاجرين من شعبنا نتيجة ضعفنا وإنشغالنا في صراعنا البيزنطي على أصل البيضة والدجاجة، في حين فشلنا في توفير الأمن والإستقرار لهم وتركناهم يواجهون مصيرهم لوحدهم؟ هل نسينا معنى حمرة الخجل حينما نخاطب من قبل البعض: "لنذهب ونتوحد ثم نعود للمطالبة بحقوقنا"؟ هل نحتاج وصفة طبية لتناول جرعات من التواضع والتسامح والتضحية من أجل الأخرين وهي جوهر ديانتنا المسيحية؟ هل يتوجب علينا أخذ حقن من لقاح ضد التعصب والحقد والكراهية والطموحات غير المشروعة وتضخيم الذات؟

ومن الجانب الاخر أعود لأتسأل: أي دمج أو ربط أو توحيد بين مكونين أو حزبين أو شعبين تم بالإكراه وفرض الأمرالواقع كُتب له النجاح؟ وأي وحدة بين دولتين دامت لعقود لا بل لسنين على مر التاريخ دون إرادة شعبية وحسن نية وثقة مطلقة بالقيادة وقناعة بالإنتماء ومشاعر مشتركة بعدالة القضية، وبعد تهيئة الأرضية المناسبة لها والمناخ الصحي الذي يساعد على نضوجها وديمومتها؟ هل إستمرت الوحدة القسرية الهشة التي فرضتها بعض الزعامات العربية في الستينات والسبعينات بقرار سياسي على شعوبها التي كانت يوماً أمة ودولة واحدة تجمعها القومية واللغة والدين والأرض والتراث والتقاليد المتشابهة والماضي المشترك وخصائص إجتماعية أخرى، كالوحدة بين مصر وسورية (الجمهورية العربية المتحدة)، وبين العراق والاردن (الإتحاد العربي)، ثم بين مصر وسورية والعراق....؟ إضافة إلى مثيلاتها في أوربا خلال العصر القديم والحديث لصهر دول عديدة مع بعضها كانت تجمعها قواسم مشتركة كثيرة وتواجه تحديات مصيرية وتسعى نحو طموحات واعدة، كتب لها الفشل وتفككت لأنها فُرضت دون تخويل شعبي وفي ظروف إستثنائية غير طبيعية، وبُنيت لتحقيق أهداف مرحلية موقتة أو إجتياز أوضاع غير مستقرة، إضافة إلى إنتهاجها سياسة تفضيل مصالح طرف على حساب الطرف الأخر دون مراعاة لحقوق ووجهة نظرالشريك الشرعي المفترض، وفي ظل غياب الديمقراطية والحرية والعدالة بين كافة الأطراف.

ولتعجيل مسيرتنا والوصول إلى أهدافنا وفرض الأمر الواقع للإعتراف بهويتنا القومية، الذي سيساهم دون شك بتكافئ الفرص وتحقيق العدالة بين مكونات شعبنا المسيحي، عليكم أيها الكلدانيون أينما كنتم اليوم في ربوع الوطن الغالي أو في المهجر أم عالقين أمام أعتاب دوائر الهجرة في محطات الغربة، أن تظهروا مشاعركم النابعة من إيمانكم في أي مجال تجدونه ممكناً وتوقظوا تلك الأحاسيس الدفينة في أعماقكم وتوقدوها في نفوس أبنائكم وأحفادكم، لتطرزوا بأناملكم في ذاكرتهم الحروف الجميلة لهويتنا الكلدانية، فتساهموا في رسم لوحة مشرقة لماضينا ورفع راية مميزة مع رايات بقية أشقائنا في حاضرنا وتشاركوا في بناء مستقبل أمن مستقر زاهر لشعبنا في الوطن.

وبنفس الوقت نحث أبناء شعبنا المسيحي بكافة مكوناته من السريان والأشوريين والكلدان وغيرهم بمطالبة قادة أحزابنا وكنائسنا بتجاوز عقدة التسمية التي تنخر بجسدنا كمرض عضَال، ومعالجة عقدة الأنا التي أمسىت تستعمر عقولنا، وإيقاف التراشق الإعلامي المخجل بيننا كشرط للدخول في مفاوضات بين القوى والأحزاب السياسية تمهيداً لتوقيع ميثاق شرف كخارطة طريق، يجري بعدها إنتخاب قيادة موحدة من بين اعضائها لتنسيق الجهود من أجل المطالبة بحقوقنا المهضومة، وتوفير الأمن والإستقرار وفرص العمل في أماكن تواجد أبناء شعبنا في قرانا وبلداتنا ومدننا في وطننا والذي سيساهم بتثليم أنياب الهجرة المنفلته التي تنهش بكياننا. هذه الطموحات المخلصة لو تحققت سوف تنعكس إيجابياتها أيضاً على ترابط أبناء شعبنا في كافة دول المهجر بعد أن عصفت بنا رياح التخندق وزُرعت بيننا جذور التفرقة حتى داخل أسوار أبناء البلدة الواحدة. وأخيراً أقول: ما ضاع حقٌ وراءه مُطالب، ومن جدَ وجد ومن سار على الدرب وصل.


3 / 6 / 2013

 

العودة للصفحة الرئيسية             العودة لأرشيف الكاتب