موت راهبة
الأب سعيد بلّو
يندب الراهبة المرحومة فيرجين

"إلى من نذهب يا ربّ وكلام الحياة الأبدية عندك" (يوحنا 68:6)

كلما مالت الشمس للغروب خيّم الغيم في القلوب. لكن سرعان ما في الصبح ترنو، تسكب في الكون نوراً وفي النفوس سروراً.

سحرَ المرحومة ڤيرجين رنين الآية أعلاه فأنضمت إلى رهبنة بنات مريم المحبول بها بلا دنس الكلدانية، مستهدية مسكن الرب ومستقصية الجبل المقدس فارتوت من دالية الرهبنة سلسبيل الحياة الروحية والعلمية. وبعد أن غمر روح القدس كيانها نشرت البشرى السارة أينما حلّت تسقي من شغاف قلبها الضامئين إلى الخلد. وما فتئ يسحرها صدى صوت الرب في الخدمة والعطاء حتى رحيلها. ومع غروب الشمس في ديار السامري الصالح للراهبات في سان دييگو – كاليفورنيا أفُلَت معه أنوارها إلى جنة الخلود يوم الخميس ١٧ تشرين الثاني/ نوفمبر 2011. وكان في توديعها موكب خاشع مهيب يسكب من قلبه العَبرات ويصلّي بلسان حالها من ألحاننا الطقسية:

"وداعاً أيتها الحياة الزمنية
العاجزة عن خلاص من يقتنيها
ها إنني ماضية لأرى موطن النور
حيث تسكن البارّات اللواتي
عملن الصالحات".

هكذا بعد أن ساد حياتها روح الزهد والحرمان وفي درب الجلجلة أشواك وصُلبان غابت في الحب عفافاً وفي التُقى شعاعاً فحملها ملاك الأجل موشَّحة بأنوار الأزل وأودع روحها الجذلى بيَدَي الرب الذي أحبّها أكثر من نفسها قائلاً لها: "إدخلي إلى فرح سيدك" (متى 21-25).

إن ألم الكنيسة والرهبنة ليس في رحيلها إلى السعادة الأبدية أذ أقول:

من ذا يهاب الرّدى معطّراً بالضيا
والشوق للخُلد وضّاءٌ ومعطارُ

وإنما تندب مصيرها مبتهلة إلى تلك السماء التي إبتهجت بها أن ترسل من يحلّ محلها في كرم الرب وهو في مسيس الحاجة للدوالي الوارفة والثمار اليانعة.
وأنشد:

نهجُ الفضيلة ساطعٌ مثل الصلاة الغافرة
في موكب الأنوار تنطلق المعاني النادرة
فالنور في نفق الدُّجى أمل الدهور الغادرة
والدهر في مسرى الدُّنى علم الحياة العابرة
نفسٌ إذا غمر الضياء مدارها مستعمرا
سيّان إن جنّ الظلام أو الضحاء إستنفرا
كل العناصر في الطبيعة ترتجي ذا العنصر
ومن الشغاف سقيتها نهر المحبة كوثرا

ساورتني أثناء مراسيم الجنازة فكرة أليمة وأنا أتأمل في عدد الحاضرين في الكنيسة. لماذا هذا الغياب في تكريم راهبة أفنت حياتها في خدمة الكنيسة؟ في الوقت الذي يتواكب الناس جماهير غفيرة للمُحاباة والرياء أو للمجاملات الباطلة بعيداً عن المحبة والإحترام؟ وتهيب بي النخوة لنداء شعبنا أينما كان في مثل هذه المناسبة لتكريم أي واحدة أو واحد قد قدم للكنيسة خدمات روحية أو زمنية تعبيراً عن الشكر والإمتنان. ويُذكِّرني هذا الموقف ما قاله فيلسوف يوناني:

"إن الشعب الذي يحترم أمواته شعب وقور".

29/11/2011

العودة للصفحة الرئيسية           العودة لأرشيف الكاتب