دندنة فوق المذبحة
الأب سعيد بلّو

                                                                                                           - الحلقة الأولى -
أحفر في المناجم علَّني أعثر على الماسة المفقودة
"شاؤل شاؤل لماذا تضطهدني؟ فقال من أنت يا سيِّد؟ فقال الرب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده... فنهض شاؤل من الأرض وكان وهو مفتوح العينين لا يُبصِرُ أحداً..."أعمال الرسل 9: 1-9
بين يقظة ومنام جاءني مار بولس ليَسردَ عليَّ هذا الحادث المرعب عندما أبرق عليه نورٌ من السماء وصوت الرب يُناديه: "شاؤل شاؤل لماذا تضطهدني"؟ وقال: إن التاريخ يُعيد نفسه لأن شعب الـله الذي هو كنيسة المسيح مضطَهَد في بلاد الإغتراب من قِبَل فرّيسيين كما كنت أنا ولكن من نوع آخر، إنهم يحاربون جمع
شمل شعبنا المُمَزَّق والمُنصَهِر والمُشرَّد في أوروبا وكندا وأمريكا وأستراليا. علماً بأن لمّ شعث المؤمنين حول مذبح الرب لتمجيده تعالى وأحياء بيت الكلدان في
كل مكان رسالة الجميع. وإستطرد مار بولس قائلاً: إنهم يتفنَّنون في إضطهاد الكنيسة:

منهم لا يصغون إلى صوت الرب يناديهم كما لبَّيتُ النداء، إذ يرفضون الإنصياع إلى تعليمات مجمع فاتيكان الثاني (1962-1965) التي تفرض على كل الكنائس الكاثوليكية في العالم أن تكون الصلوات باللغة التي يفهمها المؤمنون.

ومنهم يهربون من رنّة النقود حول المذبح.
ومنهم من يسأم من مسؤولية الخدمة مُدَندِناً: أين الآخرون؟..
ومنهم من لا يهمه الإنتماء فيتيه في مهامه الكنائس الأخرى.
وهناك عناصر تحارب كنيسة الرب بالنفاق والمُجاملات وإدِّعاء الولاء أو تتذرَّع بالمسافات والمساحات هاربين من نداء الرب أو منتظرين من الرب ترداد النداء. ناسين أو مُتناسين أن الرب ينبوع كل خير: "إن لم يبنِ الربّ البيت فباطلاً يتعب البناؤون". مزمور 127 (126)

وفي سبيل المثال لا الحصر، هناك مَنْ سمع مثلي صوت الرب وإستجاب بالإبداع:

- مثلث الرحمات البطريرك مار بولس شيخو بنى حوالي 30 كنيسة فوفـَّر في جميع أحياء بغداد بيت الصلاة لكل الشعب المؤمن وعزَّزَ الإنتماء.
- الحبر الجليل مار إبراهيم إبراهيم أسَّسَ مشكوراً كنائس حيّة في أبرشيته ووفَّر لها الرعاة في كل مكان. مع ذلك أقول له "لا زال الحصاد كثير والفَعَلة قليلين" (لوقا 2:10).
- الحبر الجليل مار سرهد يوسپ جمو زرع ويزرع في مدى أبرشيته الواسعة كنائس مثمرة مثل أشجار الزيتون غير آبهٍ بالأبعاد والمسافات متحدياً رنّات النقود وصائغاً العُملة الصعبة (الكهنة). وإذ أهنئه بإعتزاز أقول له أيضاً لازال هناك كرومٌ ضمأى.

أيها الأب الحبيب

قبل أن أودعك أطلب منك أن تنقل فَحوى هذه الرسالة إلى وسائل الإعلام ليطَّلِع عليها الجميع وليعلموا أنّ شاؤل المُضطَهـِد إهتدى وصار رسول الأُمَم. وأن لا يقبلوا من على المذبح وحوله شاؤلَ جديداً يضطهد كنيسة المسيح ولا يبصر وهو مفتوح العينين وألا يصغوا إليه بخنوع العبيد ناسين ما قاله الرب: "لا أعد أسمّيكم عبيداً لأن العبد لا يعرف ما يعمل سيده" يوحنا 15:15.

إن إهتدائي مِثال ما جاء أعلاه فكما أن الكهرباء ينوِّر بإتحاد السلبي والموجب هكذا فإنّ القوّة التي أزالَت الغشاء عن عيوني عندما كنت في ضلال هي نفسها أضاءت بصيرتي فسرتُ وراءَ نور الحياة يسوع المسيح. هكذا وحِّدوا السلبيات والموجبات لتستنيروا وتسمعوا صوت يسوع: "فليُضئ نوركم أمام الناس ليشاهدوا أعمالكم الصالحة ويمجِّدوا أباكم الذي في السماوات". متى 16:5
                                                                         ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

- الحلقة الثانية -

"تكلَّم يا رب لأن عبدك سامع"
(صموئيل الأول10:3)

أيقضَني صوت الرب مؤنِّباً: أعلمني مار بولس أن كنيستي مُضطَهَدة من قِبَل أُناس "يأتونكم بلِباس الحِملان ومن داخلهم ذئابٌ خاطفة." (متى 15:7)

كيف يسوغ أثناء الصلاة ومراسيم الأسرار المقدسة أن يقتحم بعض المتنفِّذين شبه إرهابيين يتطاولون أحياناً على الراعي ويتراشقون بعضهم بعضاً في هيكل الرب بكلمات نابية ومسبّات سُوقية. أحياناً بسبب خصام بينهم دنيوي أي إقتصادي أو إجتماعي أو سياسي إلخ... أي لا علاقة بالإدارة الكنسية بذيّاك الخصام. وعندما يبذل الكاهن قُصارى جهده لوضع السلام بين العائلتين، يرفضون.

فمنهم يشرطون على الكاهن بمنع فلان عن الحضور للكنيسة أو عن خدمة المذبح إلخ... وإلّا فَهُم يُقاطعون الرعيّة كأن الكاهن هو راعٍ لهم فقط وليس للكل.
ومنهم من يؤَيِّد الكاهن في فصل العائلة عن بعضها حيث يمنع الأب والأم والأولاد أن يصلّوا سويّة ناقضين تعاليمي الإلهية إذ قلت: "فالذي جمعه الـله لا يفرِّقه إنسان" (متى6:19) ومنهم من يناوئ في طرد نساء أو فتيات من الكنيسة ربّما لأن لباسهن ليس 100% مُحتَشَماً. ناسين أن في ذلك خطيئة الدينونة وخطيئة أعظم في منعهنّ من الصلاة. فالأولى بأرباب التربية المسيحية أن يعلِّموا ويرشدوا بمحبة وإحترام داعين الأهل خاصّة والنساء عامّة للسير حسب تعاليم الكنيسة التربويّة والإلتزام في هيكل الرب بالحِشمة والوقار. كيف تقول لأخيك دعني أخرج القَذى من عينك وها هي الخَشَبَة في عينكَ أنت..." (متى 4:7) لأنه ربّما تلك المرأة بارّة أمام الـله وأنت بثوبك المُحتَشَم مُرائياً!...

أما إذا كانت النيّة للإصلاح فلتكُن على إنفراد لأن التخجيل لا يليق بأبناء الـله.

وفي هذا السياق تذكرت عروسة أعتز بها مدى الأيام لأنها إتَّصَلَت بي هاتفياً قبل الزواج قائلة: إبتِ، هل لديكَ تحفُّظات على زي العروس؟ فأجبتها أنتِ مؤمنة ومُقبِلة على سرٍّ مُقدَّس في بيت الـله فإلبسي ما ترينه لائِقاً لأني في أجمل يوم من حياتك أريد أن تكوني أسعد عروس في الدنيا ولا أنظر سوى إلى وجهك الصَبوح وإلى إصغائك لكلام الـله إذ يرسل إليك الروح القدس ليوحِّدك مع العرّيس الفاضل هيكلاً مُبارَكاً.

وكما في صموئيل الأول أعلاه دعاني الرب ثانية فقلتُ له "هآنذا تكلم يا رب فإن عبدك يسمع" فقال:
لمست في بعض المراسيم أن رنّة النقود يفضلها البعض على تمجيد الـله بعذوبة الموسيقى والألحان. شتّان ما بين ما يشهد لكم تاريخ الكتاب المقدس في هذا
الصدد وما بين أهوائكم المادية. فإن الملك داود (1010-970 ق.م.) كان يزمِّر في هيكل الرب على نقرات العود. إسمعوا صموئيل الأول (23:16):
"وكان إذا إعترى شاؤول الروح الشرير من عند الـله يأخذ داود العود ويضرب به، فيستريح شاؤول وينتعش وينصرف الشرير عنه."

ومن يستطيع أن ينسى قيثارة الروح القدس مار أفرام (306-375م) حين كان يعزف القيثارة في المراسيم الكنسية مع أول فرقة تراتيل العذارى في نصيبين والرها ولا زالت حتى اليوم فرق التراتيل في العالم تعزف ألحانه الطقسية الخالدة. وإستطاع بهذا أن يجذب الشبيبة من الضياع في الحفلات الوثنية المائعة للحضور في الكنيسة والإستمتاع بالأنغام السماوية الرائعة.
                                                        ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

- الحلقة الثالثة -

أغوصُ عَلَّني أعثرُ على اللؤلؤة في بحر الطقوس
"وسمعتُ كل خليقةٍ في السماءِ والأرضِ وتحت الأرضِ وفي البحرِ والكونِ كله تقول:

وللجالسِ على العرشِ والحمل
الحمدُ والإكرامُ والمجدُ
والجبروت إلى أبد الدهورِ".
رؤيا يوحنا 13:5

في أول زيارةٍ لغِبطة البطريرك الكردينال مار عمانوئيل الثالث دلّي إلى كندا 18/ 6/ 2005 كان في حينه قد خَوَّلَني تنظيمَ برنامج تلك الزيارة. وإبّان تكريمه في حفل مهيب أنشدتُ قريضاً سما بالمقام فيه سَعَوتُ إلى تبيان دوره الرئيسي في توحيد الطقس الكلداني في العالم.
منه هذا البيت:

حتى متى تبقى الطقوس بلا هدى        لا بدَّ في توحيدها من مبتدي

وقد ورد في دستور "الليتورجيا المقدسة" من وثائق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني الفقرة 85 ما يلي:
تتضمن الصلاة الطقسية صلاة الكنيسة الرسمية:

"إن كل الذين يقومون بهذه المهمة إنما يُتَمِّمون واجب الكنيسة ويشتركون في الوقت عينه بشرف كنيسة المسيح السامي، لأنهم بتأديتهم المدائح الإلهية، يقفون أمام عرش الـله بإسم الكنيسة الأم".(1)

استشفّ اللامرئيات خلف آفاق هذه "الصلاة الرسمية" في تمجيد الـله "أمام عرش الجلال". نعم، إن الـله يسمع صلاتنا قصيرة أو طويلة، موحَّدة أو مختلفة لكن الخالق مُنظِّم الكون لا بدَّ أن يسرّ أكثر عندما تنظِّم الكنيسة الكلدانية في العالم كل الصلوات والترانيم موحدة في مراسيمها الطقسية ترتفع مع عطر البخور إلى الأخدار السماوية حاملة قلوبنا قرابين مِلْؤها المحبة للكاهن الأعظم يسوع المسيح.

وللعِبرة أودُّ إعلام القارئ العزيز أني بدأتُ أقدِّس وأُمارِس صلوات الأسرار المقدسة وطقوس الأعياد فكانت في كل الكنائس الكلدانية التي صليتُ فيها مختلفة. وفي سبيل المثال لا الحصر: في تورنتو ووندسور ومونتريال وفي عدة كنائس في مشيكن وكاليفورنيا. وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى أن الإختلاف ليس فقط في النظام الطقسي والليتورجية ولكن الأنكى في طول وقصر الصلاة كيوم الجمعة العظيمة إلخ...

أيها المجمع (سينودس) البطريركي الكلداني المحترم...

هل يروق لكم ما جاء أعلاه؟ هل ذلك فخرٌ لكنيستنا الكلدانية التي هي أعظم الكنائس المشرقية (ربما ما عدا الكنيسة المارونية) أن تكون الكتب الطقسية السريانية والملكية والأرمنية والآثورية والمارونية موحَّدة ومرتبة بشكل مرموق في العالم أجمع ونحن نُمعِن النظر إليها بصمتٍ أليم. عِلماً بأنكم سبق وصادقتم على الطقس المُعدَّل مع بركة الفاتيكان لكن بلا تنفيذ عدا في أبرشية مار بطرس في سان دييكو- كاليفورنيا!... لماذا؟...

أرفعُ يدي متضرِّعاً إلى الـله متشفِّعاً بآبائنا العِظام منهم مار شمعون برصبّاعي ومار أفرام ومار نرساي ومار إيشوعياب إلخ... أن يقتدي آباء السينودس بتواضعهم ووَداعتهم وبَلاغتهم والتناغُم الروحي والموسيقي لتوحيد كنيستنا في الصلوات والتراتيل مع أنغام الملائكة والأبرار في نشيد تمجيد الـله الذي يجعل حضوره مستمراً في هذا الكون.

(1) السلسلة الليتورجية (4) ص5 المطران د. جاك إسحق
                                                                      ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

- الحلقة الرابعة -

أعودُ للتنقيب في المناجم
علّني أعثر على الماسّة المفقودة

"الويلُ لمن تأتي على يده الشكوك، خيرٌ له أن يعلّق حجر الرحى في عنقه ويُلقى في البحر..."
(
لوقا 17: 1-2)

قرأتُ في نهاية الثمانينات إجابة الحَبر الجليل مار إبراهيم إبراهيم حول الصفات التي يقتضي أن يتمتّع بها الأسقف حتى يُنتَخَب للسدة البطريركية وسمّاها تسعة شروط، ذكرها في نشرة نجم الكلدان لأبرشية مار توما الكلدانية الكاثوليكية في أمريكا. وأودّ هنا أن أشير فقط إلى أحد الشروط الأساسية وهو السعي في حياته الكهنوتية والأسقفية إلى الوحدة مع كنيسة المشرق.

وفي سبيل المثال لا الحصر، هناك كهنة رُشِّحوا للدرجة الأسقفية يعارضون وبكلمات غير لائقة أبناءنا وبناتنا لإقترانهم بالزواج المقدس مع أمثالهم من الكنيسة الشرقية.
شتّان ما بين مَن يسعى للوحدة بالمحبة ومن يرميها بسهام الحقد والإنشقاق!...

ومن أبرز الشكوك التي يعلو صداها عبر العالم أن ينتخب السينودس البطريركي الكلداني مطارنة بعيدين جداً عن تحلّيهم بالصفات التي تؤهِّلهم للأسقفية منها أن يكون:

1- متميِّزاً بإيمانٍ راسخ، وأخلاق حَسَنة وتَقوى، وغيرة على النفوس وفِطنة.

2- مُتمتِّعاً بسُمعةٍ جيّدة.

(القانون 180 للكنائس الشرقية الكاثوليكية)
وكم يستغل مَن يهوى ويسعى للإساءة إلى طائفتنا قائلاً: كيف يسوغ إنتخاب كهنة لهذه الدرجة السامية وأهم وصايا الـله التي سأشير إليها أدناه لا يحترمونها.

وأين هُم مِن الطاعة لإرادة الـله وللرؤساء لا يطيعون عِلماً بأنه عند رسامة الكاهن جاثياً قُدّام مذبح الرب يُعلِن أمام الملأ تلك الطاعة مدى الحياة. وكذلك الأسقف يُعبِّر في رسامته أن يسلك في الطاعة بأمانة للپاپا خليفة القديس بطرس حارس الطاعة للمسيح. ويقول الپاپا بندكتس المالك سعيداً: "ما مِن أحد يستطيع حقاً أن يرعى قطيع المسيح إذا لم يعِش طاعة عميقة وحقيقية للمسيح والكنيسة."

وأنا غارِقٌ في تأمُّلٍ عميق بصورة الراعي الصالح مُستلهِماً أنوار إرادته للصَلاح، فإذا به يرنو إليَّ شزراً مردِّداً ما قاله للشاب الغني:

"لقد قلت إذا أردت أن تدخل الحياة فإعمل بالوصايا..." (متى 17:19-19)
لا تقتل: وكم من الناس يقتلون بنيّاتهم الشريرة!! وبالإجهاض!..
لا تزنِ: وبعضهم يُبرِّر الزِنى لنفسه.
لا تسرق: ومنهم من يُحلِّل لنفسه ولأهله سرقة بيت المقدس.
لا تشتهِ إمرأة غيرك: والكل يُلقون اللوم بذلك ظُلماً على النساء.
أكرِم أباك وأمك: ولسان حال البعض يقول: نسرق أموال الكنيسة ونعطيها لهم. ماذا تريد أكثر من هذا الإكرام؟..
أحبّ قريبك كنفسك: وينبري الفرّيسي قائلاً: لماذا لا يفعل قريبي أولاً خاصة وأنا أفني حياتي في خدمته؟..

وعلى ضوء ما جاء أعلاه هناك من يعرف الحقيقة، لكن لغرضٍ في نفسه يتمرّد بالكبرياء ولا يهمّه أن يكون حجر عثرة. وهناك من لا يعرف الحقيقة فيلتجئ إلى الكلام الباطل. ويقول الشاعر:
"إذا كنت تدري فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمُصيبةُ أعظم"

وفي كلتا الحالتين فإن الضرر ولو في الظاهر وللإغرار بالمؤمنين البُسطاء يعتقد أنه يصيب بعض المخلصين في كرم الرب لكنه بالواقع يصيب الكنيسة جمعاء ومن ثمّة يصيبهم أيضاً لأنهم أبناء وبنات هذه الكنيسة.

وسمعت صوت الرب يُردِّد ما قاله للفرّيسيين:
"تغلقون ملكوت السماوات في وجوه الناس، فلا أنتم تدخلون ولا تتركون الداخلين يدخلون." (متى 13:23) وخيرٌ لمن يجري على يده الشكوك أن يلتجئ إلى دير للتوبة قبل أن يُعلّق حجر الرحى في عنقه.

                                                 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

- الحلقة الخامسة -

الإنتماء

أمةُ الكلدانِ مجدٌ في الأعالي لا يُطال

الأب سعيد بلّو

في إحدى زياراتي للسفير الپاپوي الحبر الجليل أنجيلو پلماس His Excellency Nuncio Angelo Palmas عام 1988 في اوتاوا – كندا Ottawa-Canada برفقة مثلث الرحمات غبطة البطريرك السرياني أنطون الثاني حايك. لم يكن لنا في حينه أي كنيسة كلدانية. فكنّا أعضاء في مختلف الكنائس الكاثوليكية وخاصة السريانية. نقدّم لها جُلّ الخدمات بأعلى المستويات.

وكان يعرف سعادة السفير أني كلداني فقال لي مؤنِّباً: "نحن نعلم أن هناك أمة كلدانية في مختلف المدن الرئيسية الكندية لا أحد يهتم بلمّ شملها وتأسيس كنائس لها. عِلماً بأن قداسة الحبر الأعظم يوحنا بولس الثاني أكّد بأن الكنيسة الكاثوليكية لا تريد أن تنصهروا مع الكنائس الأخرى لأنكم كنز وتراث حضاري يقتضي الإحتفاظ
به غنى وإتساعاً في تاريخ الكنيسة مدى الأجيال".

ولا أودّ، معاذ الـله، أن أتباهى بما سعوت به في هذا الصدد لكن لا بد أن أسرد بعض الحقائق وكما أعلن دائماً أن الشجاعة في قول الحقيقة ولو عن أنفسنا هو تواضع وسنرى ذلك في الحلقة السادسة.

إن مأربي في سرد ما جاء أعلاه هو تبيان ما معنى الإنتماء حيث أشرت خاصة إلى إرادة قداسة الپاپا نفسه في الإستمتاع بسندس رياض الكنيسة المقدسة في العالم. هذا لكي يؤمن الذين يغتاضون قائلين: ما الفرق بين السريان والكلدان إلخ...؟ فنقول لهم إذا كانت إرادة الكنيسة الأم الإحتفاظ بخاصّية كل طائفة فلماذا تقطف الكنائس الأخرى ثمار مواهبكم الكلدانية وبيتكم الكلداني في مسيس الحاجة لتلك الثمار؟

أيها الأحبة...

لا نجاح في أي مؤسسة بدون إنتماء فكم بالأحرى ضرورة الإنتماء لكنائسكم الكلدانية لأجل الديمومة والإزدهار. وإذا كانت البواعث وحدويّة فهل جاء الوحي على الكلدان فقط لينفصلوا عن كنيستهم وينتموا إلى السريان والموارنة والأقباط إلخ... تحت طوائل غير معتمدة وحجج واهية منها خاصة أن الكلدان لا يصلّون بالعربية. إنهم لا ينسوا بل يتناسوا أن مئات الكنائس في العراق وسورية ولبنان ومصر يصلون بالعربية وكذلك في أمريكا وكندا عندما لا يعرف المصلّون السورث. ولماذا تتم الوحدة بإنتماء الكلدان مثلاً إلى السريان ولا تتم بإنتماء السريان إلى الكلدان؟ أو كما يقولون أنه لا فرق كلنا كاثوليك. وأعود أيضاً وأقول إذا كان كذلك فلماذا لا
نراهم عندنا مؤمنين بعدم وجود فرق؟ مع شديد الأسف والأسى سمّيتُ وأسمّي ذلك "مرض الكلدان" لأنهم ليسوا فقط ينتمون للسريان مثلاً وإنما يبذلون أسمى المواهب وأسخى الأموال غير مُبالين بحاجة كنيستهم أكثر وإنما يتباهون بذلك!...

ذكرت أعلاه أننا خدمنا الكنائس الأخرى خاصة السريانية منها بكل فرح وإحترام وعطاء لا نظير لها عندما لم يكن لنا كنائس كلدانية في تلك المدن. ولكن لم نجد أي سرياني قابَلَنا بالمثل حيث لم يكن لديهم كنيسة في المدن التي كان فيها كنائس كلدانية. وإنما رغم زياراتي وخدماتي الأبوية لهم كانوا يسافرون بعيداً لحضور المراسيم وقبول الأسرار المقدسة في كنائسهم السريانية.

إني في الوقت الذي أحترم فيهم روحيّة الإنتماء لا أحترم روحيّة الكلدان بعدم الإنتماء.

والحكمة تقول: لا يحقد على آبائه سوى من كان جاهلاً. وأكثر الذين أعرفهم شخصياً معروفين بالعلم والتقوى وبُعد النظر. لماذا إذاً؟ وأعود للحكمة أيضاً فأقول: إن الوفاء شيمة النُبلاء وفضيلة الكُرماء.

فعلى شعبنا الكلداني أن يزهو بطقوس ومناهل آبائه رغم ما فيها من قزعات العكر على أمل إرواء غليلنا من ينابيعه الفيّاضة وعلّ صدى هذا المقال في الحث والنداء للإنتماء والبقاء يرنّ في قلوب وأفكار شعبنا الكلداني المُبارك للعودة والإعتزاز بتراثنا وطقوسنا كونها ثروة تاريخية للكنيسة الجامعة.
                                                             ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
                                                               -الحلقة السادسة والأخيرة-
                                                                      
شجرة الحياة
              "وقال الرب الإله: صارَ آدم كواحدٍ منّا يعرف الخير والشر. والآن لعلّه يمدّ يده إلى شجرة الحياة أيضاً فيأخذ منها ويأكل فيحيا إلى الأبد" التكوين 3:
الأب : سعيد بلّو
فجّرتُ ثماني قنابل روحية وطقسية مصدرها الإيمان وللعبرة وإنتصاراً للفائدة آنست فيها ضرورة الإجترار لتِبيان المواسم التي عشتها في كل هذه الحلقات:
1- أحفر في المناجم علّني أعثر على الماسة المفقودة.
تناولتُ فيها عامةً إضطهاد الكنيسة في بلاد الإغتراب ورسالة الجميع في لمّ شعث المؤمنين.

2- تكلّم يا رب لأن عبدك سامع. (صموئيل الأول 3: 10)
تدخُّلات غير مشروعة في شؤون الكهنة وعدم التوحيد والإنسجام في المراسيم الكنسية.

3- أغوصُ علّني أعثر على اللؤلؤة في بحر الطقوس.
نداء المجمع (السينودس) البطريركي الكلداني للإقتداء بآباء الكنيسة لتوحيد الطقوس.

4- أعود للتنقيب في المناجم علّني أعثر على الماسة المفقودة.
"الويل لمن تأتي على يده الشكوك وإذا أردت أن تدخل الحياة فإعمل بالوصايا".

5- أمة الكلدان مجدٌ في الأعالي لا يطالُ.
نداء شعبنا الكلداني المبارك في عدم الإنصهار مع الكنائس الأخرى إنسجاماً مع سياسة الكنيسة الكاثوليكية الأم والعودة والإعتزاز بتراثنا وطقوسنا كونها ثروة تأريخية للكنيسة الجامعة.

6- غنى مرموق وإتساع ملموس للكنيسة الكلدانية في أرجاء كندا المترامية الأطراف يدعو إلى إرسال فعلة إلى كرومنا فيها قبل أن تُطعَّم كل دوالينا وتفقد لذّة الطعم الأصيل.

7- دولة الفاتيكان. تِبيان للملأ أن الكنيسة الكاثوليكية سيف ذو حدَّين: إنها دولة مدنية دستورية مثل كل دول العالم لها وزراؤها وسفراؤها إلخ...، رئيسها الأعلى قداسة الحبر الأعظم الذي هو بنفس الوقت السلطة الأعلى للشعب الكاثوليكي في العالم.

في كل هذه الحلقات كنت أصبو إلى صيد اللآلئ. لم يكن لي في المرمى نفع إنما خير الكنيسة وأمجاد السماء. إنها خبرة حية لسنين ومواسم مختلفة وهبتها نورا للقراء وندى القلب للأحباء. اللَهم هل أصبت؟ اقمتُ صدري ترساً إزاء الحصى التي ترمى علّها تصدع هيكل هرم الكنيسة الجبار لأنه هيهات أن ينهار والمسيح يقول:

"أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي وقوات الموت لن تقوى عليها". متى: 18:16

 شتّان ما بين النقد والإنتقاد. فالإنتقاد هو للهدم والنقد النابع من المبادئ السامية هو للبناء.
وإن عدم إحترام آراء الآخرين وحرية المبادئ يقيناً هو رذيلة الأنانية والكبرياء وأضيف أننا نُمسي عبيداً لمبادئنا إذا رفضنا حرية الآخرين في مبادئهم.

                                                                               منقول من موقع كلدايا . نت

العودة للصفحة الرئيسية       العودة لأرشيف الكاتب