الكلدان تاريخيآ
njmat_alba7r : بقلم 

لقد تيقّنَ علماءُ الآثار مؤخّراً من تواجد شعبٍ في منطقة وسط وجنوب العراق القديم عُرفت تاريخياً بالقطر البحري ، سبقَ وجودَ الشعب السومري بما يقربُ من ثلاثة قرون ، كان يعيشُ حياةً
حضارية في المدن التي أنشأها ، ومن أشهرها : كيش ، اور ، اوروك واريدو
، سمّى العالِم والمؤرخ الكبير لاندزبيركَر
Landsberger
 
ذلك الشعب بالفراتيين الأوائل ، وقد سمّاه بهذا الاسم أيضاً بعضُ المؤرخين العراقيين ، وفي المدوّنات الرافدية القديمة ، وردتٌ تسمية سكان العصر البابلي القديم < كلدايي : ܟܠܕܝܐ> وهي التسمية التي سمّاهم بها العلاّمة المطران يعقوب اوجين منا في مُعجمه الشهير ( دليل الراغبين - قاموس كلداني = عربي ) وسمّى لغتهم < كلديثا : ܟܠܕܝܬܐ> وانتسابَهم الجغرافي واللغوي < كلدَيُوثا : ܟܠܕܝܘܬܐ> وامتهم < بَثٌ كلدايي : ܒܪܬܟܠܕܝܐ> الامة الكلدانية ص. 338 . أما الكتاب المقدس العهد القديم ، فقد سمّاهم باسم كسديم أو كشديم ، وكلتا اللفظتين تعنيان ( الجبابرة أو المُنتصِرين ) وباللغة الاغريقية دعاهم أبناء اليونان وباقي الاوروبيين < كالدْيَنس. : Chaldeans > وترجمَها العربُ الى <
الكلدان > وبهذه اللفظة اعتمدَتْها ترجماتُ الكتاب المقدس العربية
 

إذاً كان موطن الكلدان الأصلي في وسط وجنوب بلاد ما بين النهرين وسواحل الخليج الكلدي ( الخليج العربي ) منذ عهودٍ سحيقة ، وكانوا مجموعات بشرية كثيرة العدد جداً تتشكَّلُ مِن قبائل عديدة يتزعَّمُ كُلَّ فبيلة الرئيسُ الأكبر فيها يُطلق عليه لقب ( الملك ) ، يقول بطرس نصري في كتابه ذخيرة الأذهان / الجزء الثاني ص . 24 - 25 < إن أول دولةٍ ظهرت بعد الطوفان ن هي
الدولة الكلدانية

أسَّسَها الملك نَمرود الجبّار ومَلَكَ عليها مِن بعدِه بنوه ، وأعظمُهم شُهرةً كان اورخاميس ، سَقَطت هذه الدولة بحدود عام 2449 ق . م ، حيث استولت عليها دولة ايرانية زُهاءَ قرنَين وربع
القرن ، وأعقبَتها دولة عيلامية
وحَكَمَت لمدة قرنَين وربع القرن أيضاً ، ثُمَّ استعادها الكلدانُ أصحابُها الأصليون منذ عام 2000 ق. م وامتدَّ حُكمُهم لمدة 245 عاماً > ويذكُر أحمد سوسة في كتابه / حضارة العرب ومراحل تَطوِّرها ص. 159 - 162 < وبَرَزَت خلال هذه الفترة دولة أو امارةُ القُطر البحري وعُرفَت بسُلالة الامراء ، وكان ظ
ُظهورُها على
عهد خليفة حمورابي ( شمس - ايلونا ) واعتُبرَت امتداداً لسُلالة بابل الاولى التي أسسها الملك العموري (سمو آبوم 1894 - 1881 ق . م ) وجَعلَ مِن بابل عاصمةً لها مُستقِلَّةً عن سُلطة سُلالة اور الثالثة ، ويؤيِّدُ ذلك المؤرخ هاري ساكز في كتابه / عظمة بابل / ترجمة الدكتور عامر سليمان ص. 90 < في العام الثامن والعشرين مِن حُكم شمس ايلونا بن
ِ حمورابي ، حَدَثت ثورة في جنوب البلاد بمنطقة الأهوار المعروفة
ببلاد البحر والتي لم يستطِع إخضاعَها ، ونتيجةً لذلك ظهَرَت سُلالة القطر البحري وسيطرَت على البلاد السومرية أثناءً حُكمِها الذي ناهزَ المئَتي عام.

إعتمد الكلدانُ قبل العهد الامبراطوري نظامَ الممالك ، حيث تُشيرُ المصادر التاريخية الى قيام ممالكَ عديدة قوية منذ الجيل الحادي عشر قبل الميلاد ، ولم يتوَحَّدوا في الزمن الغابر تحت راية دولة عُظمى ليخلقوا لهم كياناً سياسياً كبيراً إلاّ في الربعِ الأخير من القرن السابع قبل الميلاد ، وكانت ممالكُهم تشغَلُ مساحات شاسعة مِن وسطِ وجنوبِ بلاد ما بين النهرين ( العراق الحالي )
بالإضافة الى جنوب غربي
ايران وكافة سواحل الخليج وجُزُره ، وكانت جزيرة الدَيلمون أكبر تلك الجُزُر وتُسمّى اليوم ( البحرين ) ، وجزيرة ( فيلكا ) التابعة لدولة الكويت حالياً ، واسم هذه الجزيرة مُشتَقٌ من لفظة كلدانية ( بَلكا أو بَلكَوثا ) وتفسيرُها بالعربية ( المُنتصف ) وسُمِّيَت بهذا الاسم لموقِعِها الوسطي بين البر والبحر الكلدانيين ، وكان يُطلَقُ على بلاد الكلدان في الزمن السابق للقرن الحادي عشر قبل الميلاد ( بلاد البحر ) نَظراً لكثرة أهوارها وبُحَيراتِها ، وجاء ذِكرُ هذه التسمية في حَوليات الملك الآشوري ( تُوكَلتي نينورتا الأول 1245 - 1208 ق . م ) وكذلك على عهدِ الملك ( تَكلَتبيلاصَّر الأول 1115 - 1076 ق . م ) ، بينما وردت تسميتُها   في حوليات
الملك الآشوري ( آشورناصربال الثاني 882 - 860 ق . م ) ( بلاد الكلدان ) و
( بحر الكلدان ) وهي تَرِدُ في الوثائق الآشورية لأول مرة ، حيث يتحدَّث الملك شلمَنَصَّر الثالث أيضاً في حولياته عن شعبٍ اسمه الكلدان ، وأشار أنه ساعدَ حلفاءَه البابليين بإرساله إليهم قواتٍ عسكرية لدعمهم ضِدَّ تهديدات الكلدان والآراميين للدولة البابلية ، وأنه قد أغار على بلاد ( كلديا ) .ا

إن أهمَّ الممالك الكلدانية القوية التي قامت في جنوب ما بين النهرين في مطلع القرن الحادي عشر قبل الميلاد كانت التالية:

 م1- مملكة بيث - ياقين Beth-Yakin : كانت عاصمتها دور - ياقين Dur-Yakin : تل اللحم حاليآ / بين الناصرية والبصرة ، وتشمُل رُقعتُها الحَوضَ الأسفلَ مِن الفرات وشواطيءِ الخليج
وجُزُره حتى الخليج
العُماني ، أشهر ملوكِها كان الملك ( مردوخ
بلادان 733 - 710 ق . م ) ، احتلَّ سنة 733 ق . م مدينة بابل الواقعة تحت الهيمنة الآشورية ، ونودِيَ به ملكاً على الدولة البابلية
 ، تَمَيَّزَ بالقوة والعزيمة فقام بتوحيد كافة الممالك والقبائل الكلدانية
في مملكة مُتحدة واحدة ، مؤكِّداً استقلالَ بابل السياسي وحَقَّها الشرعي في حُكم البلاد البابلية ، ولكن الملك الآشوري (
سركَون الثاني 722 - 705 ) انتصر
عليه
عام721 ق . م واستعاد بابل
منه ، كانت مملكة بيث - ياقين أكبر وأقوى الممالك
الكلدانية ، ومِن بين أبنائها ظهر أغلبُ ملوك الكلدان في العهد البابلي الحديث ( عهد الامبراطورية الكلدانية 626 - 539 ق . م).ا

 كان موقعُها في حَوض الفرات الى الجنوب مِن مملكة بابل ، تمتدُّ مساحتُها مِن مدينة بورسيبا ( برس نمرود   : Beth- Dakkuri ا2- مملكة بيث - دَكّوري
حاليآ / جنوب الحلة ) من الشمال وحتى حدود مدينة اوروك ( الوركاء ) من الجنوب . تَعَرَّضت لحَملةٍ عسكرية من قبل الملك الآشوري أسَرحَدون ، تَمَّ فيها سَلبُها وأسرُ ملكِها شمش-ابني.

ا 3- مملكة كَمبولو Gumbulo : وعاصمتها  دور - ابيهار Dur-Abihar وبدورها كانت ضحية الحملة العسكرية الأسَرحدونية التي شَنَّها أسَرحدون عليها
 .وعلى مملكة بيث - دَكّوري  

 في سنة 732 ق .م قاد الملكُ الآشوري (تَكلّتبيلاصَّر الثالث 745 - 727 ق.م  Sar - Anaba عاصمتها سَر أنابا : Beth - Shilani  ا4- بيث - شيلاني  
   .
حملةً عسكرية على عاصمتِها سَر أنابا ، قُتِلَ خلالها ملكُها وسُبيَ خمسةٌ وخمسون ألفاً من أبنائها الكلدان ورُحلوا الى البلاد الآشورية  

ا 5- مملكة بيث - أموكاني Beth Amukani عاصمتها شيبيا Shipia الواقعة في حَوض دجلة الأسفل ، كانت تحتضِنُ بالإضافة الى قبائل أموكاني قبائل ( بْقيذي) كان الملك ( نابو موكِن زيري ) مؤسِّسُ سُلالة بابل العاشرة أحد أبنائها ، تسنَّمَ عرش بابل عام 731 ق . م .     

وقد شملَتها حملة تَكلَتبيلاصَّر الثالث العسكرية التي قادها عام 732 ق . م Dur - Elata عاصمتها دور - ايلاتا : Beth - Shaali ا 6- مملكة بيث - شعالي ضِدَّها وضِدَّ مملكة بيث - شيلاني حيث أسِرَ من سُكّانِها خمسين ألفاً وأربعمِئَة فردٍ ورَحَّلهم الى المناطق الآشورية.  

وقد أشارت المصادر التاريخية ومنها ( مجلة لغة العرب / للأب أنستاس الكرملي / المُجلَّد الأول ) بأن الكلدان عموماً ، كانت ممالكُهم تَزهرُ بوضعٍ اقتصادي مُزدَهِر ، لا يعرف الفقرُ إليها
سبيلاً ، يجنون أرباحاً هائلة مِمّا تَدُرُّه عليهم أراضيهم الوافرةُ الخِصب
بفضل المياه التي يَرفُدُها النهران الخالدان دجلة والفُرات ، فكانت غِلالُ مزروعاتهم وأشجارهم غَزيرةً ومناطقُ
الكلأ واسعةً ، أتاحت لهم اقتناءَ أعدادٍ كبيرة
جداً من قطعان الماشية والأبقار والبِغال والحَمير والخيل ، ولم تَكُن تجارتُهم أقلَّ ازدهاراً مِن زراعتِهم ، فكان أبناؤهم يركبون البحر بمهارةٍ لا يُجاريهم بها مُنافسٌ ، وتًشيرُ بعضُ اللوحات الآثارية المُكتشفة الى تجارةٍ رائجة كانت تجري مع الأقطار الشرقية بصورةٍ متواصلة ، تتبادلُ بها البضائعُ عن طريق مُقايضة مُنتجاتِها الزراعية والحيوانية بالمعادن المتوفرة لدى تلك البلدان . لقد حافظت هذه الممالكُ القبلية على استقلالها وديمومَتِها زَمناً قارب الخمسمائة عامآ .ً


 

العودة للصفحة الرئيسية          العودة لأرشيف الكاتبة