عقلية القائد الشرقي
مايكـل سـيـﭘـي/ سدني

-الحلقة الأولى-

ملاحـظة: يتـطـلب الأمر أن أضع مقالات ــ في رحاب الكـنيسة ــ جانباً مؤقـتاً...

قـرأتُ مقالاً بعـنوان ــ طبـيعة عـقـلية المسيحي الشرقي ــ لكاتبه (موفـق نيسكـو1) يمكـن الإطلاع عـليه

http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,719245.0.html

والمنـشور بتأريخ 31/12/2013.

أعـجـبني المقال بصورة عامة وخاصة ما وردَ في كـتابات مفـكـرين مثل (1) الدكـتور رفـيق حـبـيب (1959م) حـين قال: إن مسيحـيّي الشرق هم مسيحـيّو الديانة مسلمو الثـقافة. وأيضاً (2) القـصة التي أوردَها من بـطـون الكـتب: قامت إحدى القـبائل العـربـية بقـتل تغلبي، وتأخـر بني تغـلب (المسيحـيّـون) الأخـذ بثأرهم على غـير عادتهم، فإستخـفَّـتْ قـبـيلة ــ بهراء ــ بها وأخـذتْ تُعـيَّرها "بأنكم مسيحـيون ولذلك لا تستطيعـون أخـذ الثأر"! فإنـتـفـضتْ قـبـيلة تغـلب وذهـبتْ وقـتـلتْ أميرَ القـبـيلة التي قـتـلتْ التغـلبي، وإنطلق الشاعـر التغـلبي المسيحي جابر بن حُـني منـشـداً ومفـتخـراً قائلاً

وقـد زعـمتْ بهـراء أنَّ رماحـنا      رماحُ نصارى لا تـبوء إلى الدمِ
نعاطي الـملـوك إن قـسـطوا لنا      وقـتـلهـم عـلـيـنا ليـس بـمـحـرم

(3) الشرقي لا يقـبل أحـداً يتـشفــّى به... فـذكـر الكاتب مقـولة جـميلة أنا لم أسمعها سابقاً وهي: أنا أدْعي ــ دُعاء شـر ــ عـلى ولـدي، ولكـن ليس مسموح لك أنْ تـقـول، آمين!!.

(4) المستـقـبل يصنعه الأحـفاد لا الأجـداد.

وقـد ورد في مقال الكاتب موفـق نيسكـو1 فـقـرات عـن المرحـوم المطران أدَّي شـيـر... وقـبل أنْ أتـطـرّق إليها، أذكـر بعـضاً مما هـو منـشور عـن هـذا المطران في المواقع الإلكـتـرونية:

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D8%AF%D9%8A_%D8%B4%D9%8A%D8%B1

((المطران أَدَّي شِير ܐܕܝ ܫܝܪ 1867 - 1915 م كان رئيسا لمطارنة سعـرد للكـلـدان الكاثـوليك، ولد في شقلاوة ثم عـين كاهـناً سنة 1889 وهـو في الثانية والعشرين ومن ثم مطرانا عـلى سعـرد سنة 1902. حاول خلال مجازر سيفـو إنـقاذ رعـيته من كـلـدان سعـرد وذلك بـدفع خـمسة آلاف قـطعة ذهـبـية لحاكـم سعـرد العـثماني غـير أن الأخـير لم يـفِ بوعـده وأمر بقـتل سكان المدينة من المسيحـيـّين وقـطع رأس المطران في 21 حـزيران 1915)).

إذن، أدّي شـير هـو كـلـداني الولادة والمنـشأ والـثـقافة والقـومية والعـمل... بل وحـتى الإستـشـهاد.

لقـد بحـثـتُ في الأنـتـرنيت عـن كـتاب كـلـدو و آثـور كي أقـرأه فـلم أجـده إلاّ في موقع عـشـتار، فـلم أفـتحه لأنّ الثـقة به معـدومة منـذ التزوير الـذي تـمَّ في إعادة طبع كـتاب تأريخ ألقـوش. ورجـوعاً إلى المقال المذكـور فإن عـبارات وردتْ فـيه وخـلـطتْ أموراً مع بعـضها ... فالكاتب نـقـل عـن الكـتاب المزعـوم: ((إن الأمة ألآثورية أو الكـلـدانية!!!!! كانت من أشـد الأمم بأساً وأكـثـرهم قـوة وعـصبـية، وكانت ميالة إلى الحـرب والقـتال)) في الحـقـيقة هـذا صحـيح فـقـط للآثـوريّـين... وليس الكـلـدان.

ثم يضيف: ((وكان لا بد لهم أن يـباشروا غـزوة في كل ربيع، وإن ملوكهم إشتهروا بقسوة القـلب والمعاملة الوحشية نحـو العـدو المغـلوب إذ كان أكـثرهم يأمرون بسلخ أجسام الأسرى أو بصلبهم أو بقلع عـيونهم ويفـتخرون بذلك مُـدَّعـين أنهم يعـملون هـذا بأمر آلهتهم)) وهـذا صحـيح أيـضاً عـنـد الملوك الآثـوريّـين............... وليس الكـلـدان.

وقـد عـثرَ ــ دي مرغان ــ عـلى: تمثال يمثل بعـض ملوك آثور!!!!! وهو يسحـب ورائه أسيراً بحـبل معـلّق بعـنقه وتحـت قـدميه جـثث من الأسرى يـدوسها برجـليه...

وذكـرَ الملك آشور ﭘانيـﭘال في إحـدى كـتاباته كـيف تعامل مع أحـد ملوك العـرب قائلاً: إنني ثـقـبتُ فـمه بمِـديتي ــ سكـين ــ التي أقـطع بها اللحم ثم جعـلتُ من شـفـته العـليا حلقة وعـلَّـقـتُها بسلسلة كما أفعـل بكـلاب الصيد)).

وتعـقـيـبي له: إن ما ذكـرَه عـن القـساوة فإنها صحـيحة للملوك الآثـوريّـين، أما الكـلـدان فـكانـوا متـفـرغـين للعـلوم بصورة عامة.

Jan 01, 2014

عـقلية القائد الشرقي

-الحلقة الثانية-

بقـلم: مايكل سيـﭘـي
سـدني

سـبق أنْ فـسَّـرتُ جانباً من سـلوكـية الإنسان الشرقي فـيما يخـص نـفـوره من الـديمقـراطـية وذلك بتأريخ 15 أيلول 2013 في مقال تحـت عـنـوان (قائـدنا لا يقـتـنع بـديمقـراطـيته) يمكـن الإطلاع عـليه في الرابـط:

http://alqosh.net/article_000/michael_cipi/mc_267.htm

المسيحي الشرقي:

الإنسان إجـتماعي يـدعـوه طبعُه إلى العـمل بـين أفـراد المجـتمع الـذي يعـيش فـيه من أجـل بناء علاقات مشـتـركة والمحافـظة عـلى وجـوده وكـرامته بـينهم، مما يجعـله بمرور الزمن يَـقـبل ثم يتـطـبُّع بل ويُحاكي بعـضاً من ممارساتهم المسـتوحاة من ثـقافة بـيئـتهم فـيتـوشح بها حـتى إذا لم تـتـفـق مع بعـضٍ من خـصائـص معـتـقـداته ودون أن تـمس جـوهـر إيمانه، وما عـدا ذلك فإن مواصلة العـيش تكـون مؤلمة وصعـبة بعـض الشيء.

ورغـم أنَّ معـظم المسيحـيّـين الشرقـيّـين ملـتـزمون أو متأثـرون بالتعاليم المسيحـية مثل وصايا الله العـشر، إلاّ أنّ الـثـقافة الإسلامية طيلة 1400 سـنة ــ المتسمة بأشكال العـنـف ــ تركـتْ بصماتها السلبـية في نواحي عـديـدة من سـلوكـيات هـذا المسيحي الشرقي الـيومية.

فعلى سـبـيـل المثال نرى هـذا التأثير واضحاً عـنـده حـين يواجه قـصة الزانية في الإنجـيل، فـهـو يؤمن بأنـنا خـَطأة لا نـدين بل الله هـو الـديان... ولكـن تأثـره بالثـقافة الإسلامية السائـدة في محـيطه نراه يحاكي المسلمين أحـياناً كـثيرة ويقـبل بثـقافة غـسل العار فـيمارسها كـدَيّان قـبل أنْ يـدين نـفـسه.

إن مجـتمعـنا الشرقي ــ ذكـوري الـتـوَجه ــ والرجـل يميل نحـو إثبات جـنسه البايولوجي، وليس خافـياً أنّ هـذا التـوجه هـو نـتاج الثـقافة الإسلامية التي تميِّـز الأنـثى عـن الـذكـر فـتـُمنح لها نـصف حـصته من الميراث مفـضلين إيّاه عـليها وهـكـذا في إدلاء الشهادة أيضاً حـتى صارت الأم الحامل في الشرق تـتمنى ــ ويُرفع لها الـدعاء إلى السماء ــ أن يكـون ولـيـدها ذكـراً، بل هي نـفـسها تـطلبه بالصلاة إلى الله، ولم يَسلم المسيحي من التأثر والـرضى بهـذا الـتـشريع وتـداعـياته ، وصار يقـبل بتلك التمنيات الـمتحـيِّـزة لصالح الـذكـور.

ومن مظاهـر إثبات الرجـولة عـنـد المجـتمعات الشرقـية العـشائرية، الـتباهي بإمكانية المجازفة والإقـدام عـلى السرقة بشجاعة، والتي لا بـد لها أن تـؤثر سـلباً عـلى عـقـول الأبرياء ممَن يسكـنون معهم في تلك الـبـيئة بمخـتـلف هـوياتهم الأثـنية (كانت بعـض العـشائر تـفـرض عـلى الفـتى أن يسرق خـروفاً من عـشيرة أخـرى كي يحـظى بالزواج من فـتاة!) ولكـن شـكـراً لله فإن التعاليم المسيحـية تركـتْ بصماتها الإيجابـية عـلى المسيحي الشرقي، الـذي إذا نـوى وتحـرك نحـو السرقة ــ لا سمح الله ــ فإنه عـلى الأقـل يتـذكـَّـر الوصية (لا تـسرق) المغـروزة في عـقـله الباطني منـذ طفـولـته، فـتـشـكـِّـل أمامه وازعاً أخلاقـياً يؤنبه أو تـصبح أمامه عـقـبة تمنعه مِن إتيان الفعـل أو تكـون سـبـباً لتأجـيله أو... ربما يسرق ولكـن بضمير!!! (في أحـد أيام الستينات من القـرن الماضي وأنا طالب في بغـداد، سـرق أحـدهم نـقـوداً من جـيـب سـروالي المعـلق في غـرفـتي المغلقة ولكـنه أبقى لي مصروفي اليومي، فـهو سارق ولكـن بضمير).... وهـكـذا حـين يُـقـدِم أحـد عـلى فعـل الـقـتل أو الزنى أو الإدلاء بشهادة زور، فإن ترسّـبات تربـيته المسيحـية في أعـماق ذهـنه ــ إنْ لم يرضخ لها كـلياً ــ فإنها تـزرع الرهـبة فـيه فـتـؤخـره أو تعـرقـل حـركـته في ذلك الإتجاه وقـد تمنعه كـلياً من الإنحـراف.

القائـد الشرقي:

نـقـصد بالشرقي كـل مَن تـرعـرع هـو وأجـداده لعـدة أجـيال في الـبـيئة الشرقـية فـتـشَرّبَ من تراثها وثـقافـتها الفـكـرية، وتـطـبَّعَ عـلى أعـرافها وقـيَمها وتقالـيـدها الإجـتماعـية وأمثالها الشعـبـية... والقائـد الشرقي ممكـن أنْ يكـون مديرَ مـدرسة أو ضابطاً في الجـيش أو وزيراً أو رئيس حـزب أو خـوري الكـنيسة أو رئيس نقابة... والمسيحي الشرقي واحـد من أولـئك.

حـين تـطـوَّرتْ المجـتمعات الـبـدائية وتـكـونتْ العائلة، كان طابع حـياتها الـبـدائي زراعـياً بحاجة إلى تكاتف أعـضاء الأسـرة لإنجاز أعـمال الزراعة الـيـدوية بمراحـلها العـديـدة والمتعِـبة وكـذلك للحـماية، ثم صار كـبـير العائلة يرأسها ويـديرها ويفـرض إرادته دون أن يعـطي حـرية لأعـضائها المنهمكـين في العـمل والمتأخـرين ثـقافـياً، فـنشأ عـنـده حـب الـتـباهي والغـرور والإعـتـزاز بالقـدرات الـذاتية، وبالتالي لم يعـد يرضى بأفـكار الغـير كي لا يقـرُّ بمؤهلاتهم المفـيـدة وبآرائهم البناءة فـيفـقـد مكانـته، وعـليه فإنه بمرور الزمن نشأتْ ردود فـعـلٍ عـكسية لمارسات القائـد، غـُرِزَتْ بصمت في أذهان الأعـضاء ودُفِـنـتْ كـذكـريات عـميقة في بحـر عـقـلهم الباطني، لتـطـفـو عـلى السطح في أقـرب فـرصة متاحة لهم ــ عـنـد الكِـبَـر والوعي ــ فـيتحـرّرون ويتسنمون مراكـزاً أو مناصباً إجـتماعـية فـيعـيـدون تـصرّفات قائـدهم السابق أمام الناس لـيـصبحـوا أصحاب الرأي المنـفـرد.

وهـكـذا فإن طبـيعة القائـد الشرقي يـرفـض أيّة فـكـرة أو مقـتـرح يقـدّمه موظف تحـت إدارته مهما كان إيجابـياً والسبب!! لإعـتـقاده بأنّ الـتـفـكـير والأفـكار الجـديـدة هي من حـقه فـقـط، أما الآخـرون فعـليهم الطاعة والخـضوع والـتـنـفـيـذ. البعـض صار يسرق أفـكار ومقـتـرحات الغـير ويـدعـيها لـنـفـسه عـنـد المراجع الأعـلى كي يحـصل من ورائها عـلى مبتغاه.

إنّ هـذا الرخـص في الـنـفـسية شاهـدناه عـنـد الضابط العـسـكـري ورجل المعـبَـد والمدير المدني، فـقـد لاحـظـنا في جـبهات الحـرب كـيف أن القائـد الجـديـد يلغي الإنجازات الرائعة للمسؤول السابق ويستـبـدلها بأخـرى من إنجازاته كي تسجَّـل بإسمه، وهـكـذا فإن تجاربنا الحـياتية تكـشـف لـنا عـن تـزمت الـبعـض برأيهم المخالف، وحـين يُحاصرون في زاوية! فإنهم لا يقـبلون الإستـسلام ولا الإعـتـذار، بل يـدافـعـون عـن أنـفـسهم بصورة مخجلة لا يحـسّون بها بطريقة: (((أنا السيـد))) وأنا الـذي أقـول ذلك، وهـو عالِمٌ عِـلم الـيقـين بأنه مخـطىء... وبهـذه الـ (((أنا))) يريـد الإيحاءَ لنا بأنه معـصوم عن الخـطأ والزلات ، ولا يَـزِلُّ لسانه ولا يشرد ذهـنه أبـداً، وما عـلى الآخـرين سـوى الطاعة الحـتمية... وهـذه كـلها قادتْ الشعـوب إلى التمرد عـلى السلطة والمطالـبة بالحـرية والـديمقـراطية... وهـكـذا عـلى الصعـيد الكـنسي فإن أفـكار القادة تغـيَّـرَتْ، فها هـو غـبطة الـﭘـطريرك مار لويس ساكـو، يقـول: لم تـبقَ في الكـنيسة عـقـلية نخـبة تملك السلطة والبقـية تـطـيعها!!... ناهـيك عـن أقـوال قـداسة الـﭘاﭘا فـرانسيس الأكـثر إثارة والمنـشورة في موقعه الرسمي والتي قـد يتـفاجأ بها الكـثيرون... نـتـركـها للمستـقـبل.

Feb 02, 2014

العودة للصفحة الرئيسية             العودة لأرشيف الكاتب