مشهد من الحركة التوحيدية لمار باوي سورو

   
  في غمرة تجدد الحديث عن مار باوي سورو على صفحات الانترنيت وبعض غرف البالتوك وإعادة إثارة حركته التوحيدية التي لم يطفو منها على السطح المنظور والمعلن إلا شذرات
قليلة ومتفرقة من المعلومات والحقائق التي تثير تطفل وفضول المهتمين الذين يرون انهم لم يقفوا على كل الأبعاد التي رافقت تلك القضية لذلك نجدهم يلجأون بين فترة واخرى على اعادة
ربط الأمور والظواهر والمشاهدات التي عايشوها بعضها بالبعض  من اجل الوقوف على مختلف جوانبها .

 
كما نعلم ان الحركة التوحيدية التي قادها نيافة المطران مار باوي سورو قد مرّت بعدة مراحل ابتداءآ من تاريخ صدور قرار ابعاده الى ايران او روسيا من قبل سينودس أساقفة كنيسة
المشرق الاشورية والى أن استقرت في آخر الأمر كأبرشية مستقلة وحرة في اختياراتها ، وأيضآ نعلم انه خلال تلك الفترة تخللتها مشاهد وأمور تستحق الوقوف عندها ، ومن هذا
المنطلق سأترككم في هذه المقالة مع أحد المشاهد الذي كونته في عقلي بعد وقوفي على بعض ردود الافعال التي سبقت ورافقت وتلت اعلان مار باوي سورو ومؤيدوه عن تصميمهم
للانضمام الى الكنيسة الكاثوليكية التي يرعاها اسقف روما ، خليفة الصخرة التي بنى عليها السيد المسيح كنيسته ، وأهم ما تضمنه هذا المشهد ما يلي :-


اولآ : - كما هو معروف ان قضية مار باوي مع سينودس كنيسة المشرق الاشورية قد اخذت وقتآ عصيبآ ومريرآ بل وشغلت الكثيرين من ابناء شعبنا ومن مختلف الاتجاهات والافكار
 والفئات الاجتماعية ، تلك القضية التي اكتنفها الكثير من الغموض والتكنهات و التشابك والحذر بسبب حساسيتها المذهبية والقومية
.
ثانيآ : - من بداية المحكمة الى نهايتها وكلا الطرفين مصممين على موقفهما ، بل استطيع القول ان العناد قد غلب على الحكمة في هذه القضية مما كان له التأثير السلبي على نفسية ومزاج
رعايا ومؤازري الطرفين ، لكن ورغم ذلك الجو المشحون بالاتهامات القاسية بين الطرفين سواء كانت من خلال المشادات الكلامية او الحوارات البالتوكية الحادة او من خلال الكتابات
والأشرطة والسي ديات المحرضة فإن كل ذلك وغيرها من المتعلقات الجانبية كانت مجاراة لموقف قادة الطرفين لذلك لم تكن تلك القشة التي أنهت الأمل في عودة الأمور الى ما كانت
عليه سابقآ .


ثالثآ :- جاء قرار المحكمة لينصر طرف على الآخر وليقضي بإعادة الممتلكات والأموال الى الطرف الغالب ، وبين نشوه الانتصار وفرحة الفوز العظيم للطرف الأول وما قابله من خيبة الأمل والشعور بالهزيمة للطرف الثاني تعمق الجرح واتسع الخلاف وردات الفعل بين انصار الطرفين ، إلا ان كل ذلك لم يكن  ظاهريآ على الأقل تلك القشة التي قسمت كنيسة المشرق الاشورية .

رابعآ :- قد لا ابتعد عن الحقيقة اذا قلت ان رعايا الطرفين  ولحد هذه المرحلة لم تكن مستعدة بما فيه الكفاية أو على الأقل كانت بحاجة الى عامل دفع نفسي واجتماعي وربما تاريخي وديني
لتقبل فكرة تحول الطرف المجمد او المبعد الى كيان مستقل او بحسب التعبير الديني الى ابرشية مستقلة قائمة بذاتها وحرة في اختيارها وتوجهها ، بل ويكاد يكون هذا الاستعداد شبه معدومآ
اذا تبين ان حركة هذا الكيان تتجه نحو الانضمام الى كنيسة كانت ولا تزال محل انتقاد ورفض من جانب الطرفين بل ومحل كره وحقد متوارث من غالبية الطرفين الذين لم يوفروا جهدآ ولا
وقتآ في مهاجمة الكرسي الرسولي في روما ورميه بكل الشرور والتهم لسبب او دون سبب ولغايات زرعها الأنكليز في نفوسهم وبالأخص في نفوس زعمائهم
وكأن جيوش روما هي
التي غزت بلادنا وهي التي سلطت  السيف على رقابنا  ، وكأن الخروج من الكنيسة  النسطورية والعودة الى الكنيسة الكاثوليكية لم تكن بالإرادة الحرة للشعب الكلداني ،  فبالإضافة الى السبب المذكور هنتك سبب رئيسي آخر لا يقل اهمية عما سبق  لهذا الكره والحقد على الكرسي الرسولي  وهو خوف هذا البعض من ان يتحول الكرسي الرسولي في الفاتيكان الى نقطة ارتكاز يتمحور حوله جميع الأطياف المسيحية تحقيقآ للوحدة المسيحية المنشودة وبطبيعة الحال هذا الأمر لا يحلو للكثير من المؤسسات  المسيحية في العالم ومنها بعض الكنتونات االعشائرية لموجودة
في العراق .


خامسآ :-   بالتأكيد ان تصميم مار باوي ورعيته على اختيار الانضمام الى كنيسة روما الكاثوليكية ليكون المسار النهائي لمواصلة الخدمة ولتحقيق الاتحاد الكنسي كان اختيارآ جريئآ ولم يكن بتلك السهولة التي يتصورها البعض بل ولم يكن يحتاج الى عامل دفع عادي ليواصل مسيرته الإيمانية بل كان بحاجة الى عدة عوامل من نوع سوبر خاص لتشكل بمجموعها تلك القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقال ، اما عن كيفية تحقق تلك العوامل نفيكون كالأتي :-

1-     بالنسبة للعامل النفسي والاجتماعي فكما ذكرنا ان طول مدة المحكمة والمقاطعة بين الطرفين مع وجود رموز مهمة ومؤثرة  عملت ودفعت الامور باتجاه المزيد من الاحتقان والهيجان والتصعيد بين الانصار فكانت النتيجة انها ساهمت على خلق نوع من العزلة والانفصال كنسيآ عن بعضهما ، أي بتعبير آخر ان غياب الرغبة لدى اهل القرار في احتواء الأزمة من خلال ايجاد حلول وسطية وتوفيقية خلقت حالة نفسية مهيئة لقبول كل الاحتمالات خاصة اذا توفرت لها الغطاء الكنسي والتاريخي الذي وفره بكل جدارة كل من الأسقف مار ميلس زيا سكرتير المجمع السنهاديقي وأسقف كنيسة المشرق الاشورية في استراليا ونيوزلندا والسيد هرمز ابونا حامل شهادة الدكتوراه عن اطروحته (   القبائل الآشورية المستقلة في تيارى و هكاري و علاقتهم بالأكراد والأتراك )  وكما نقرأه بحسب الانطباع المتكون لديّ في النقطتين 2 و 3 التاليتين .

2-   لاشك أنه بعد قرار المحكمة تكون هذه القضية قد دخلت في مراحلها النهائية أي كان ولابد من اعلان النوايا واتخاذ القرارات الحاسمة ، فمن جهة مار باوي لم يكن منتظرآ منه أن يتوقف في منتصف الطريق ويركن الى الراحة لينتهي كل شيء الى خبر كان ، بل كانت امامه على الطاولة عدة  حلول واحتمالات رغم اعلانه بانه بين خيارين اما الانضمام الى الكنيسة الشرقية الاشورية القديمة او الكنيسة الكاثوليكية للكلدان ومن تلك الاحتمالات :-

 أ -     الانضمام  المباشر والمستقل الى الكنيسة الكاثوليكية التي يرعاها الكرسي الرسولي في الفاتيكان .
ب‌ -     الانضمام الى كنيسة بابل للكلدان .
ج ‌-     الانضمام الى الكنيسة الاشورية القديمة .
 د ‌-     العودة الى كنيسة المشرق الاشورية .
هـ -     استحداث ابرشية مستقلة بذاتها او متحدة مع اخرى .
 
اما من جهة سينودس كنيسة المشرق الاشورية الذي يترأسه البطريرك مار دنخا الرابع والذي كان صاحب القرار الخاص بإيقاف نيافة الأسقف مار باوي سورو من الخدمة الكنسية 
         فأعتقد كان أمامه عدة خيارات ومنها :-

‌  أ -    الاصرار على تنفيذ قرار الإيقاف والابعاد بحذافيره  .
 
ب -  الاكتفاء بالمكاسب التي تحققت بموجب قرار المحكمة والغاء قرارات المجمع او على الأقل تجميدها ودعوة نيافة الأسقف مار باوي للعودة وممارسة نشاطاته ومسؤولياته كما
         كان سابقآ .
 
ج ‌-    البراءة من مار باوي وابعاده نهائيآ من كنيسة المشرق الاشورية .

 رغم ان دعوة البطريرك مار دنخا الرابع لمار باوي ورعيته لنسيان الماضي وعودتهم الى احضان كنيسة المشرق الاشورية جاءت متأخرة و لم تعالج الأسباب ولم تتطرق الى النقاط
التي كانت سبب الأزمة في الأصل كموقفه من قرار الإيقاف والابعاد خارج اميركا والاصلاحات ومسألة الاتحاد...الخ  إلا اننا يجب ان نأخذ هذه المبادرة كبادرة حسن نية ومحاولة لفتح
صفحة جديدة بين الطرفين وبالتأكيد كان يمكن ان يكون لها بعض التأثير الايجابي على المواقف وخاصة على بعض اتباع مار باوي ولكن يبدو ان هذا الأمر لم يرق لبعض الأساقفة في
كنيسة المشرق الاشورية ومن بينهم الأسقف مار ميلس زيا الذي قضى على مبادرة البطريرك في مهدها وأنهى كل شيء بلغة المنتصر وذلك بإطلاقه جملة من الإجراءات العقابية ضد كل
من يعمل ويؤيد مار باوي سورو من خلال تحريض اتباعه على مقاطعة كل من يؤيده ومن جملة الذين خصهم بالمقاطعة المطربين والأطباء واصحاب الأعمال وكل الاحزاب والأفراد
وبهذا التصرف المثير يكون مار ميلس قد أضعف الخيط الرفيع الذي كان يربط بين الطرفين بالإضافة الى ان توقيت تلك الاجراءات العقابية التي وصفها البعض بالفتاوي كان غير مناسبآ
بل أضر بعموم القضية إلا اللهم كان مار ميليس قد عناها وخطط لها مسبقآ بهدف إزاحة  المطران مار باوي الذي اعتبره  عائقآ امام طموحاته المستقبلية والبعيدة المدى وخاصة  تلك
المتعلقة بتولي منصب البطريركية مستقبلآ ، مهما يكن من الأمر فإن تلك الاجراءات التي جاءت على لسان سكرتير المجمع قد ساهمت في خلق نقطة اللاعودة  وقد وفرّت أرضية صلبة   ومشروعة ساعدت مار باوي لتجاوز الكثير من الأمور والمواقف والتحديات  التي كان من الصعوبة تجاوزها لولا صدور تلك الاجراءات العقابية التي كسبته  تعاطف الناس  بحيث  مكّنته
من الإنطلاق نحو الاستقلال والمضي قدمآ نحو تحقيق اهدافه بالثقة والشرعية التي وفرّها له الطرف الآخر .
 ادناه رابط الإجراءات العقابية التي طالب بها المطران مار ميلس إتخاذها ضد المطران مار باوي سورو
 ../../../../Video/Meelis preaching hate/Meelis preaching hate .mp4


3-     كنيسة المشرق الأصلية ، قبل الغوض في هذه النقطة يجب التنويه ان لجميع كنائسنا قدسيتها وحرمتها ولا علاقة لكلمات هذه المقالة بتعاليمها اللاهوتية او طقوسها او شخوصها بل سينحصر الكلام عن كنيسة المشرق الاشورية بشقيها ( التقويم الحديث والقديم ) من حيث نشوءها التاريخي وتحديدآ من زاوية هل الكرسي البطريركي فيها هو الامتداد الطبيعي للكرسي البطريركي لكنيسة المشرق الأولى التي أسسها مار توما رسول المشرق وتلميذيه مار ماري ومار ادي ؟ ، وقد طرحت هذا السؤال لسببين وهما :-

 اولآ :- ان الطرح المتكرر للمقولة المغلوطة التي تقول ان الكنيسة الاشورية بشقيها المذكورين هي الوريث المتسلسل والامتداد التاريخي الطبيعي للكرسي البطريركي في كنيسة المشرق
والى حد قد اصبح هذا الطرح عند الكثيرين وكأنه بديهية من البديهيات التي لا تحتاج الى اثبات ولا مجال للنقاش فيها  ، وإن أي خروج او استقلال من هاتين الكنيستين هو بمثابة الخروج
عن الاصالة والابتعاد عن الإنتماء الحقيقي والأصلي ، وفي نفس الوقت كان هناك طرح مرافق وموازي للطرح المذكور من حيث المغالطة والجهل مفاده هو ان الكرسي البطريركي
للكنيسة الكاثوليكية للكلدان هو امتداد للخط المنشق عن الكرسي الأصلي وكما نعلم ان الذي قاد ذلك الاستقلال او الإنشقاق سميه كما تشاء كان مار شمعون الثامن يوحنا سولاقا آل بلو 1552م- 1555م ) ، ورغم محاولة الكثيرين من الكلدان توضيح الحقيقة التاريخية التي تثبت العكس ولكن في كل مرة كانوا المطبلين يضعون أصابعهم في آذانهم لكي لا يسمعوا ولا يصدقوا ، إلى
أن استفاقوا أو بالأحرى اصطدموا بتلك الحقيقة التي بينها لهم الكاتب المـتأشورهرمز ابونا في كتابه (  صفحات مطوية من تاريخ الكنيسة الكلدانية – المجلد الثامن ) وكما  أدلى بها بصوته
 في احدى غرف البالتوك وبنبرة المتحدي لكل من يثبت العكس وانني املك تسجيلآ بصوته لهذا التحدي ، وباعلان هذه الحقيقة يكون الكاتب هرمز ابونا قد أزاح الكثير من العقد والهواجس والحواجز من أمام مار باوي خاصة وان توقيت هذا الاعلان تزامن مع اعلان مارباوي تأسيس الابرشية الاشورية الكاثوليكية التي ترتبط بالكرسي الرسولي في الفاتيكان ، كما وأنه
بهذا الاعلان يكون  هرمز ابونا قد هيأ ليس فقط لمساندي مار باوي بل وحتى لمعارضيه ظروفآ نفسية اكثر ملائمة لتقبل الخطوة التالية التي سيتخذها مار باوي .


فإذا كانت الاجراءات العقابية التي أوصى بها مار ميلس قد وفرت الغطاء الكنسي الذي برر النهج الذي التزمه مار باوي وفي نفس الوقت يكون قد أضعف الشعرة التي كانت تربط بين الطرفين ، فإن اعلان الكاتب هرمز ابونا قد وفر الغطاء التاريخي المطلوب لتعزيز موقف مار باوي وانصاره وقد كان هذا الاعلان بمثابة الشفرة التي قطعت تلك الشعرة التي أضعفها مار ميليس كثيرآ.

أما عن أوهام النظرة القومية المتعالية والمتعصبة نقول :-

إذا كان الكاتب هرمز ابونا قد حل عقدة الاصالة الموهومة وقد ألجم أفواه الكثيرين ممن كانوا يصرخون ويتباكون على الأقدمية وعلى الامتداد التاريخي الطبيعي  للخط التاريخي الكنسي أو لإصالة الكرسي البطريركي الموقر ، بالاضافة الى انه أراح المنضوين تحت الكرسي البطريركي للكنيسة الكاثوليكية للكلدان من تهم الانشقاق والانفصال ، فإننا كم نكون بحاجة أن يخرج من وسطهم شخص آخر مثل الكاتب هرمز ابونا لكي يحررهم من الأوهام والنظرة النرجسية  الانانية الى الذات ، وان يفيق هؤلاء الاخوة من عقدة القومية والامة التي نعرف جيدآ بداياتها وخيوطها التي كبلتهم وفرقتهم من امتهم الكلدانية ، او على الأقل ان ينبههم بأن رداء الاشورية الذي يتزرون به ليس لباسهم الأصلي بل هو أداة خدعة ونتاج وهم غرسه المبشرين الانكليز في عقولهم اواسط القرن التاسع عشر، وانا متفائل بل ومتأكد جدآ بأنه سيأتي اليوم الذي يظهر فيه ذلك المارد سينبه الاخوة الاثوريين الى حقيقة انتمائهم الكلداني وان امتدادهم التاريخي ينبع من المنبع الكلداني وما الاشورية الا رداء منسوج بأيادي اجنبية غير بريئة .

  منصور توما ياقو
  استراليا - سدني
  2008 08May  

   

العودة للصفحة الرئيسية                 العودة لأرشيف الكاتب