السناتور وديع دده: قصـة النجاح العراقي والألق في ولاية كاليفورنيا
كمال يلدو

 

في ذلك اليوم، رن جرس الهاتف، وأذا بالبيت الأبيض في الطرف الثاني، حيث جرى الأتفاق على تكليفي بأستقبال سيادة الرئيس عندما تحل طائرته في سان دياغو/ كاليفورنيا، وافقت، لكني اردفت لهم بأني لا املك اي حجز للطيران، قالوا: توجه للمطار وستجد كل الأوراق بأنتظارك. فذهبت للمطار المحلي في مدينة (مونتريه)، وأخذت الطائرة لمطار ساندياغو، هناك اخذني أمن المطار الى شرفة الأستقبال الرسمي للرؤساء، نزلت الطائرة، وأستقبلت الرئيس الأمريكي "جيمي كارتر" في رحلته للدعاية الأنتخابية للدورة الثانية، وبعد ترحيبي به، قال اننا اخترناك لأن لك شعبية طيبة بين الناخبين، شكرته على هذه الثقة. في الطريق وأنا جالسا الى جنبه في المركبة الرئاسية، سرقت لحظة من الزمن، ونظرت من خلال الشباك الى السماء، وقلت: اين انت يا أبي الآن، لترى ابنك وهو جالس الى جانب رئيس اكبر دولة في العالم، ودونما ادري سقطت دمعة، فقد توفي والدي في الأهواز وكان عمري 12 عاما فقط، لنبقى انا وأمي وثلاثة اخوة وأختان.

هكذا يتذكر السناتور العراقي- الكلداني الأستاذ وديع دده بعضا من الصور الأنسانية العالقة في الذاكرة في رحلته بالعمل السياسي في ولاية كاليفورنيا لأكثر من ربع قرن.

الولادة

هناك قصصا لا تخلوا من الطرافة او الغرابة في حياة هذا الأنسان الرائع، فهو يقول عن ولادته، بأن والده كان قد التحق بأبناء عمومته في "الأهواز" هربا من التجنيد في الجندرمة التركية، وكان يأتي الى تلكيف خلسة بين فترة وأخرى، وصادف ان اقتربت ايام الوضع، فقصدت أمي مدينة بغداد في طريقها الى الأهواز، لكني ولدت في بغداد في نيسان من العام 1920، وربما في منطقة "عكد النصارى" لأن سجل عماذي موجود في كنيسة "ام الأحزان" أو الكنيسة الكبيرة كما يلقبوها. بعد شهرين، اخذتني أمي حيث ابي (عند الشيخ خزعل كما كانت تسمى الأهواز آنذاك) وعشنا هناك حتى وفاته، حيث انتقلنا لبغداد وكان عمري لم يتجاوز 12 سنة. بعدها اخذني السيد "يعكوب مراد الشيخ" – اول نائب كلداني في البرلمان العراقي، اخذني بيدي، وهو من اولاد عم والدي، وقصد بي الى (مدرسة اليسوعيين) التي كانت قد افتتحت للتو في منطقة المربعة، درست فيها ثلاث سنوات ، وتفوقت باللغة الأنكليزية، وعشقت من خلال الأساتذة الحياة في امريكا، الا ان حاجة العائلة، دفعتني لتركها والعمل صباحا، والتحقت بالمدرسة المسائية (ربما الثانوية الجعفرية، فأنا لا اتذكرها جيدا) فتخرجت منها بدرجات عالية.

الموقف الذي لا انساه

قدمت اوراقي الى مديرية المعارف للقبول في (كلية الحقوق) حيث كنت ارغب بدراسة المحاماة وممارستها كمهنة ايضا. وبعد فترة جاء الجواب ب (الرفض) بدعوى ان هناك نظام للكوتا ، اذ ان عدد المقبولين للدورة الواحدة هو: 100 طالب، مخصصة 4 مقاعد لليهود، و 4 مقاعد للمسيحيين، و92 مقعدا للمسلمين بكل مللهم وطوائفهم، مما ولد عندي ردة فعل سلبية وغاضبة جدا من اعتبار هذه المعايير بعيدا عن المعايير المهنية او الذكاء عند المتقدمين، ولم ينفع اعتراضي، ولا حتى تدخل قريبنا عضو البرلمان السيد يعكوب مراد الشيخ. قررت الجلوس لمدة سنة، ثم قبلت بالأمر الواقع ودرست (الأنكليزية) في دار المعلمين العالية ، لأن لغتي كانت بالأساس جيدة نتيجة دراستي في مدرسة اليسوعيين. لم تكن حياتنا سهلة، فقد كنت مسؤلا عن اعالة والدتي والعائلة، فكنت ادرس صباحا وأعمل في الترجمة ليلا.

رحلتي الى امريكا

في العام 1947 قررت الهجرة الى الولايات المتحدة، حيث كان الباب مفتوحا آنذاك، وفعلا وصلت الى نيويورك، قصدت بعدها مدينة "ديترويت" لوجود ابنة عمتي فيها، التي احتضنتني وقدمت لي غرفة للسكن مع عائلتها. في اثناء اقامتي بديترويت انتسبت الى "جامعة ديترويت للآباء اليسوعين" وحصلت منها على شهادة الماجستير في (العلوم السياسية والقانون الدولي والدستور الأمريكي)، فكنت وللحق، ومازلت اعشق السياسة، وفي تلك الأيام ، عملت مثل معظم (الكلدان) الوافدين لهذه البلاد في المحلات التجارية (البقالة والسوبر ماركت)، خاصة تلك المملوكة من ابناء جاليتنا. ونتيجة بحثي لفرص جيدة في التوظيف فقد قبلت في معهد اللغات، مدينة مونتري بولاية كاليفورنيا، فغادرت ديترويت اليها في العام 1951.

اول عهدي بالسياسة

بالحقيقة، يقول السناتور وديع دده: ان اعجابي الشديد بشخصية السناتور (جون كندي)، جعلتني اتعلق به بشكل عجيب ، فجندت كل قواي – ضمن الحزب الديمقراطي الذي انتسبت لصفوفه في العام 1959 - من اجل نشر الدعاية الأنتخابية، وتشجيع الناخب للتصويت الى مرشحنا، وفعلا، فقد كانت ومازالت، ولاية كاليفورنيا تعتبر حجر القبان في الأنتخابات الأمريكية، لأنها الأكبر مساحة وسكانا ومالا، وبعدد القوة التصويتية. ولم تكن في حياتي نشوة تساوي نشوة فوز الرئيس كندي بولاية كاليفورنيا وبالتالي فوزه بالرئاسة الأمريكية. ان هذه التجربة قربتني كثيرا من ساسة الولاية ومن صناع القرار فيها، ودفعتني ايضا للتفكير بولوج هذا الحقل.

دخول معترك الأنتخابات

في العام 1966 قررت خوض الأنتخابات البلدية عن مقاطعة (امبريال بييج/ سان دياغو) بولاية كاليفورنيا من الحزب الديمقراطي، وبعد فوزي بها، اذ تفوقت على ثلاث مرشحين ايضا، ترشحت للأنتخابات النهائية في المنافسة مع مرشح الحزب الجمهوري. جاءت النتائج مكللة للعمل الكبير وبالفوز المستحق. لا انسى تلك الليلة التي اجتمع بنا رئيس الحملة الأنتخابية للحزب الديمقراطي، حيث كنت انا من ضمن 30 سنتورا جديدا ندخل عالم السياسة، كان قد اختارنا الناخبين، فترك كل النواب الجدد وتوجه لي بالكلام: انت لا تعرف ماذا فعلت اليوم، انت عملت معجزة، فقد اخذت مقعدا من الحزب الجمهوري بقى عصيا علينا لأكثر من 40 عاما، ليس هذا فحسب، بل لتكون مفخرة لنا بأنك اول عراقي - كلداني يفوز بهذا المنصب في ولاية كاليفورنيا، علما ان فارق الأصوات بلغ (1050) لصالحي. كان لتلك الكلمات وقعها الكبير في نفسي ولليوم.

وقبل ان استرسل بأسئلتي له، استوقفني وقال: بالحقيقة ان لزوجتي الغالية "مارلين" فضل كبير في فوزي هذا، فمنذ ان عرفتها، وتزوجتها في العام 1951 ونحن نعمل سوية في سلك التدريس، وعندما قررت خوض الأنتخابات، كنا نخرج من المدرسة سوية، انا آخذ شارع، وهي تأخذ شارع، ونزور البيوت، بيتا بيتا، ونوزع لهم اوراق الدعاية الأنتخابية او نتحدث اليهم، حدث هذا لشهور، اضافة الى ما كان ينقله تلاميذنا الى اهاليهم، فكانت حقا النجمة التي انارت حياتي ولليوم، ليس بفوزي بالأنتخابات، بل لأنها منحتني ابننا الرائع (بيتر) والذي منحنا بدوره ولد وبنتان، صاروا قناديلا في سمائنا.

مسيرة ظافرة

يقول السناتور وديع دده عن رحلته مع السياسة، اولا، لا تنسى ان عمري الآن سيصل الى 94 عاما، ومضى على تقاعدي من العمل الوظيفي حوالي 21 سـنة، وقبلها كنت قد قضيت 27 عاما في الخدمة العامة ضمن مجلس ولاية كاليفورنيا، منها 16 عاما في مجلس النواب، و 11 عاما في مجلس الأعيان. وحتى ازيدك علما، فأن هذه الولاية اضافة الى ثقلها الأنتخابي، فهي الأكبر مساحة في امريكا، وأقتصادها لا يقارن بأية ولاية أخرى، بل بالدول العظمى مثل المانيا وفرنسا وروسيا وأنكلترا، هذه هي كاليفورنيا، ومن يخدم في مجالسها عليه حقا ان يكون اهلا لتلك المسؤلية، اما حينما يعيد الناس انتخابي لمرات ومرات، فهذا شرف كبير ووسام يعبر عن ثقتهم بي، وعن قيامي بدوري المفترض ايضا. وفي تلك المسيرة مرت من امامنا مئات القرارات والتشريعات التي تخص المواطن والولاية، الا اني افخر بكوني اول سناتور يدفع بأتجاه تشكيل (هيئة) كاملة ومستقلة للطرق والجسور والصيانة في الولاية، وبعد سنين من العمل والدعاية وجمع المؤيدين تكلل هذا العمل بالنجاح وفعلا تشكلت هيئة تسمى (كال ترانس- وهي مشتقة من كلمتا كاليفورنيا وترانسبورتيشن) والتي تعني بالطرق، والجسور والسكك والترام والأنفاق تحت الأرض، وتعني بصيانة الطرق وبناء الجديد منها، وبميزانية منفصلة ومستقلة. ومازال بعض الأعضاء يلقبوني (ابو كال ترانس) نسبة الى جهدي وعملي في المشروع.

من هنا يمر احفادي

كان ل (هيئة الطرق) بناية ملحقة بأحدى مؤسسات الولاية، ومع مرور الوقت، تم رصد مبلغا ماليا لبناء بناية مستقلة لهذه الهيئة المهمة، وفعلا تم ذلك، والبناية جميلة جدا وكبيرة وتضم كل االمكاتب التابعة لها. في يوم 5 آبريل 2006 دعيت لحفل افتتاح العمارة وقص الشريط (كنت حينها متقاعدا، والمبادرة كانت من المحافظ التابع للحزب الجمهوري وأنا ديمقراطي)، وبعد وصولي، كانت واجهة البناية مغطاة بالقماش، فأعطاني المقص وأذن لي بقص الشريط، ومن ثم سحب قطعة القماش عن الواجهة، وأذا بي افاجأ بأنهم وضعوا اســـمي (عمارة وديع دده) على واجهة البناية، وامام حالة الذهول، قال لي ، لقد كنت انت صاحب الفكرة، وأنت اكثر من عمل لها لجعلها حقيقة، فأنت من يستاهل ان يكون اسمه عليها!

شعور عظيم بالغبطة والفرح والسرور وأنا اشارك زوجتي العزيزة وأبني وأحفادي هذا الأنجاز الكبير. هذه البناية يمر من امامها عشرات الآلاف يوميا، اذ انها تقع في منطقة مزدحمة، والطريف في الأمر ان احفادي، يمرون من امامها كل صباح في الطريق للمدرسة، فيلقون عليها النظر ويقولون (هذه بناية كراند با- اي الجد).

كما لا يفوتني ان اذكر بعض تفصيلات اليوم الأخير في مجلس النواب بولاية كاليفورنيا، اذ تقدم الى المنصة معظم النواب الذين كان لهم حق الكلام، وتحدثوا كثيرا عن سيرتي وكان البكاء والدموع ترافقهم وهم يقولون تلك العبارات والجمل، وللحق اقول، فأن الجمهوريين بكوني مثلما بكاني الديمقراطيين، وقال احدهم: نادرا ما نلتقي بأعضاء يعرفون بالقانون والدستور الأمريكي وهم بلا خلفية اكاديمية في حقل المحاماة، فأنا اتحداكم ان كان احدا منكم قد تجرأ يوما وجادل السناتور وديع دده في امر قانوني او دستوري، علما انه ليس محاميا!

ديترويت وأهلها في القلب

في اثناء حديثي للسناتور وديع دده، كان دائم الترديد لكلمة ديترويت وناسها، وأردت ان اعرف منه ســّر هذا التعلق، فقال: لمدينة ديترويت منزلة خاصة في وجداني، فهي اول مدينة استوطنتها في عالمي الجديد، ومنها حصلت على شهادتي العليا، اما ناسها، الكلدان الأصلاء، فهم سعادتي وسـّـر نجاحي، وهنا استوفته وقلت، ان كنت قد ترشحت في كاليفورنيا، فما دخل ديترويت في انتخاباتكم، فقال: هذا صحيح، لكن دعني اوضح الصورة للقارئ الكريم، اولا: في العام 1947 عندما اتيت لهذه المدينة، فقد احتظنتني ابنة عمتي الغالية، وأعطتني غرفة كاملة في منزلها، كما وأن ابنائها الكلدان لم يبخلوا عليّ في فرص العمل ولكي تتلائم مع منهاج دراستي ايضا، علما، ان العشرات من الكلدان الذين اتوا المدينة في تلك السنين، لم يكونوا يقرأوا او يكتبوا، لابل ان قسما منهم لم يشاهد الموصل او بغداد في حياته، لكنه اتى الى امريكا للعمل وبحثا عن فرص حياة افضل له ولعائلته، وكانت بيوت الكلدان (ومازالت لليوم) مفتوحة للمساعدة وتقديم كل ما تطلبه الحاجة من اجل تسهيل مهمة الوافدين الجدد حتى يتأقلموا مع حياتهم الجديدة.

وماذا بعد

توقف قليلا، وكأنه يريد ان يسترجع الق تلك اللحظات السامية في حياته، فقال: في العام 1965 وعندما عزمت على الدخول للأنتخابات الأولية، توجهت لديترويت لأخذ المشورة والنصيحة من بعض الأحبة هنا، وفعلا ، كنا في جلسة ما بين 10-12 شخص، فبادرني السيد (الياس قينايا) بالسؤال: هل ستحمل ورقة الأنتخاب اسمك انت وديع دده؟ فقلت له نعم، اردف مرة اخرى وقال، وديع دده، الكلداني ابن بلدي؟ فقلت نعم، فما كان منه الا ان وقف، وسحب مبلغا (500 دولار آنذاك) ووضعها على الطاولة وقال هذا المبلغ لدعم حملتك الأنتخابية، امام ذهولي، قام الآخرون بنفس العمل بعد ان اخذتهم الشيمة والحمية، وانتهت تلك اللية بان جمعت مبلغ (8000 دولار) لحملتي الأنتخابية التي ساعدتني كثيرا في التحرك والنشاط وتوزيع المطبوعات. اما عند نزولي للأنتخابات النهائية (امام المرشح الجمهوري) فقد دعاني السيد (سليم صرافة) والأصدقاء لزيارة ديترويت، وبعد ان هنأوني بالفوز الأبتدائي قالوا ماذا تريد منـّا الآن؟ (كان العدد ما بين 20 – 25) فقلت لهم: ان من حق حملتي الأنتخابية ان يكون لي 6 يافطات كبيرة تعلق في المدينة، وكل واحدة تكلف 1500 دولار، فأرجو منكم مساعدتي قدر الأمكان. وعندما انتهت الجلسة كانوا قد جمعوا (20 ألف دولار) اي اكثر بقليل من حق اللافتات! فكيف تريدني ان انسى فضل هؤلاء الناس الأصلاء والأشراف والطيبين. كما وهناك قصصا اخرى عن ديترويت سأحاول ان اجمعها في كتابي (السيرة الذاتية) ان سامحتنا الظروف والصحة العامة.

عن والدتي

بعد ان اسـتقر بي الحال، قمت بجلب والدتي للعيش معنا في الولايات المتحدة، ومن الطرائف التي اتذكرها، ان المجلس طلب مني استضافة بعض اعضاء العائلة لجلسة الأفتتاح والقسم وما الى ذلك، وفعلا ، فقد جاءت زوجتي بصحبة والدتي المسنة، وجلسوا في المكان المخصص لضيوف الشرف، وكم كنت سعيدا وفخورا وأنا اشاهد أمي (الغالية) وهي تستمع لأسمي وصوتي مدويا بالسماعة، او لتراني امامها وأنا اتقلد هذا المنصب الرسمي الرفيع! اي فخر للأم ـ وأي فخر لأبنها، بعد مسيرة شـــاقة بين تلكيف وبغداد والأهواز والولايات المتحدة، وحياة طويلة بلا معيل! وكم من ام عراقية تستحق التكريم، مثل هذا او اكثر، في وطنها وليس خارجه، ولكن .....!

زياراتي للعراق

سألت السناتور وديع دده ان كان قد زار العراق بصفة رسمية فقال: نعم، وكان ذلك في اواخر عهد الرئيس (جيمي كارتر)، فبادرني بالقول: لقد علمت بأنك من أصل عراقي، فقلت له نعم، فقال: هل تذهب بمهمة للعراق لو طلبت منك ذلك، اجبته، هذه خدمة وطنية لهذا البلد العزيز، فسألني ان كنت اعرف بعض المسؤلين، قلت له، لقد سبق وأن التقيت الدكتور سعدون حمادي ، والسيد طارق عزيز، فكلفني الرئيس بالذهاب وحمل رسالة للرئيس العراقي، التقيت المسؤلان ، لكني لم التق بالرئيس، وللأسف لم تتكلل زيارتي بالنجاح . لكن تلك لم تكن الأولى، بل سبقتها واحدة في العام 1968، وأخرى في العام 79 وربما زيارات اخرى، شخصية او رســمية.

كيف تقضي وقتك الآن

ضحك السناتور وديع دده عاليا عندما سألته عن وقته وقال: انت ترى، اني بعمر 94 عاما، ولله الحمد، فأن صحتي جيدة وأعيش مع رفيقة حياتي، أقضي معظم وقتي في مكتبي هذا (والذي يحوي على صورا تذكارية كثيرة مع الرؤساء والمسؤلين الأمريكان) مع الشهادات التقديرية والكثير من الهدايا والتحفيات، ومكتبة كبيرة عامرة بالكتب. اقرأ بأستمرار وأتابع الأخبار (فالسياسة تجري في عروقنا)، وأحضر العديد من النشاطات السياسية والأجتماعية، ولا ابخل على اي شخص يتصل بي تلفونيا او يزورني، فأن الجزء المكمل لشخصيتي هي مساعدة الآخرين والوقوف الى جنبهم، وأزيدك علما، ففي العام الماضي، حدثت امور في مدينة ساندياغو، حيث القت الشرطة القبض على عصابة سرقة للسيارات وتهريبها للخارج ومنها للعراق، وصادف ان كان من ضمن العصابة (4 من ابناء الجالية الكلدانية) فما كان من بعض (العنصريين) الا ان يصبوا جام حقدهم وغضبهم على الجالية الكلدانية في ساندياغو، فأنبريت لهم، وذهبت الى مجلس البلدية وتحدثت للمسؤلين، وطالبت بوقف هذا التهجم والأعتذار، اذ ان هذا النفر الضال لا يمثل كل الجالية، التي فيها العمال، ورجل الأعمال، والمهندسين والأطباء والفنانين والمحامين وأناس من جميع ما خلق الله من اختصاصات، فكيف لكم مساوات هذا بذاك. وفي مناسبة اخرى (عن قريب) قدمت محاضرة عن شريعة حمورابي وأبوابها القانونية.

ومن باب الطرفة سألته عن سرعة تحركاته وتنقلاته فقال: بالحقيقة انا لست مثل قبل، فأيام زمان، كنت اذا رميت (العانة) في الهواء، فقبل وصولها الأرض كنت ستراني في ديترويت، اما اليوم فحركتي ابطء.

غصـّة

سألت السناتور وديع دده ان كان نـادما لأنه غادر العراق وأستوطن امريكا، فقال: لا! وبالحقيقة انا سعيد جدا لأني اتخذت ذلك القرار، وأقولها لك صراحة (رغم اني لا اضمر اي حقد على اي انسان) لكني لم ولن انسى تلك اللحظة التي حرمت فيها من دخول كلية الحقوق والتخرج كمحامي! كان هذا مضيعة لجهود الشباب، وتميز طائفي وعنصري مقيت. فأية دولة متقدمة تعتمد تلك المعايير في القبول، وهل يرضاها الحاكم على نفسه؟ والشئ الآخر، وانت عرفت جزءا من حياتي، فهل كان سيكون لي في العراق ما حققته في امريكا، اقول لك، ان عدم قبولي في كلية الحقوق مازال لليوم طعمه مرا في فمي! وشئ آخر اقوله للقراء الكرام، ونحن اليوم نعيش هذه الثورة التكنلوجية، فألى اي استنتاج ســـيصل القارئ حينما يقارن بين الدول، ولماذا هناك دولا ناجحة ودولا فاشــلة، وأنا سأقولها لك بصراحة: ان مختصرها هي في التعامل مع الأنسان، وقيمته. هناك دولا ترعى العقول وتطلقها للأبداع، وهناك دولا، تقفل على العقول وتضطهدها وتدمرها وتحرم البشرية من نتاجاتها الأنسانية. ان اكثر ما يحزنني اليوم، هو بقاء هذه العقليات الأقصائية المتخلفة وسيادتها في الكثير من المجتمعات الشرقية، وخاصة في العراق وسوريا ومصر. اما ما جرى ويجري للمسيحين والمكونات الصغيرة الأخرى فحدث ولا حرج ، اذ ما زال البعض يعاملهم وينظر اليهم بالنظرة الدونية، بينما تعميهم الحقائق فيما وصلت اليه هذه (الجماعات) من نجاحات وألق في كل دول العالم وأينما حلوا، وفي كل حقول الحياة، التجارية والصناعية والعلمية والثقافية، فمن يا ترى كان على حق، ومن يا ترى كان الفاشل في نظرته ومعاملته للآخر؟

عن الجيل الجديد

بالحقيقة، ان كثيرا من المقالات كتبت عنه، ومقابلات جرت له على مدار السنين، وصدر كتاب حمل عنوان (رحلة الأسـد) تيمنا بأسد بابل، رمز حضارة العراق والكلدان. الا ان تجربته الشخصية ، ونجاحه في حقل السياسة تظل ملهمة للكثير من بنات وأبناء الجالية العراقية، والكلدانية خاصة، من الذين يرون النجاح ممكنا، طالما تمكن منه السناتور دده، وطالما اقترن ذلك بالعمل الجاد والرغبة الصادقة والدعم، وعلى ذكر كلمة "الدعم" سألته عن رأيه ببعض التجارب التي تكررت للترشح الى المناصب الأدارية في العديد من الولايات فقال: ان هذا يشرفني، ويفرحني كثيرا. فرغم اني كنت اول سناتور عراقي - كلداني، يجري انتخابه لهذا المنصب ولمدة 27 سنة متواصلة، فأن المسيرة يجب ان تستمر وتتواصل وتتطور، وأتمنى ان تكون البذور التي زرعتها سترى النور يوما بصعود بعض ابناء جاليتنا الغالية، ولا يفوتني هنا ان احيي النائب "كلين قسطو" – ابن الكلدان المولود من ابوين عراقيين – وأشد على يده وأحييه على طول صبره وعمله الدؤوب، وأتمنى له كل الموفقية والنجاح في مهمته بمجلس النواب في ولاية مشيكان العزيزة علينا.

وهنا سألته عن افضل الأحزاب (الديمقراطيين ام الجمهوريين) والتي يشجع ابناء الجالية عليها فقال: انا ديمقراطي ومنحاز الى حزبي بشكل كبير، لكني اقولها لك بصراحة، فأني سأضع كل اعتباراتي الحزبية جانبا في اليوم الذي اسمع بأن احد ابناء جاليتنا يخوض السباق للترشح، وهذا املي بالجالية في ديترويت او شيكاغو او اي مكان تتواجد فيه بكثرة، نحن بحاجة الى التمثيل السياسي في ادارات الولايات وحتى في الكونغرس، وأنا اتمنى ان نضع (مرة وللأبد جانبا) فكرة العنصرية والمناطقية والقروية، فالمهم بنظري ان يكون عراقيا، والأهم ان يكون كلدانيا (لكثرة عددهم ومصالحهم) وعلينا ان نضع كل قوتنا خلفهم، ان كان واحدا او اثنين . اما ان كان السباق فيه 8 – 10 منافسين عراقيين، عند ذاك يمكن ان نفكر في الأجندات الخاصة، فيما اذا كان جمهوريا ام ديمقراطيا، اما غيرها من الأسباب، فهي لا ترقى الى سبب حقيقي ومقنع، وهذه العقلية هي التي تحرم شبابنا وشاباتنا من النجاح، او ولوج هذا الطريق الطويل (والصعب) ايضا.

العراق، العراق

يقول السناتور وديع دده: لم يكن من حق الولايات المتحدة ضرب العراق وشن الحرب عليه، وأنظر للنتائج الكارثية اليوم، فالبلد محطم، وناسه متعبون ومشردون، فيما الأمريكان دفعوا ثمنا كبيرا ايضا (5 آلاف قتيل من الجيش وما لا يقل عن 36 الف جريح) ناهيك عن الكلفة التي تقدر بترليون دولار! اني اعلم علم اليقين، بأن هناك صراعا كبيرا يجري بين دول المنطقة على ارض العراق، وكل يدافع عن مصالحه، لكن للأسف، فأن المسيحيين وباقي المكونات الصغيرة سقطوا في الوسط وصاروا يدفعون الثمن الغالي من القتل والتشريد والتغرب، ناهيك عن باقي المكونات ، كل هذا لم يكن ضروريا، ورغم ان الوقت متأخر للأمنيات، لكني اطلب ان يكون هناك سلام وحب وأخـوّة، فالعراق بلد آبائنا وأجدادنا، وهو كبير جدا ويتسع لمحبتنا .

** ولمن يرغب بمشاهدة بعض الأفلام الوثائقية عن السناتور من شبكة اليوتوب، فيمكنه عن طريق الرابط:

http://www.youtube.com/watch?v=48qdpHOfWQQ

أو من خلال الرابط الثاني:

http://www.youtube.com/watch?v=FZHLdSsIsWs

** اتقدم بشكري الجزيل للصديق الأستاذ عادل بقال، لأنه كان صاحب الفكرة وعمل على تسهيل المهمة، وللسيد كامل كلشو، جارنا وأبن محلتنا في عكد النصارى في حقبة الخمسينات.

** شكر خاص للصحفية (امل شموني) لتقريرها الوافي عن السناتور لصالح اذاعة سوا، ولكل من وضع موادا مفيدة في شبكة الويكابيديا - الأنسكلوبيديا الحرة للمعلومات -

** حقيقة انقلها للقراء، فأن للسناتور دده صوتا لا يعكس عمره بالمرة، فهو حماسي ونشط، وذو ديناميكية لا تجدها الا عند الشباب، كما انه فخور ايما فخر بنسبه العراقي- الكلداني، ويرددها بأستمرار (آنه ايون عيراقايا كلدنايا اصلايا)، علما اني اجريت المقابلة معه بللغة الكلدانية (السورث) وقليلا من العربية والأنكليزية. ومن الحديث معه ومع ذكرياته سيترك انطباع عندك، بانه غادر العراق للتو، وليس قبل 66 عاما.

كمال يلدو
22 آذار 2014

العودة للصفحة الرئيسية           العودة لأرشيف الكاتب