الأنظمة السياسية في العراق القديم

حسن الوزني
كاتب وشاعر عراقي

hwazney@yahoo.com


إن  أهم  ما  تميزت  به  حضارات  الشرق  الأدنى  القديم  ،  أنظمتها  السياسية  التي  كانت  سائدة 
فيها  وإن دراسة تطور هذه الأنظمة  وخصوصا  التي مرت  في العراق  القديم  منذ نشأتها  وحتى  نضوجها  ضمن  الأطر  المتعارف  عليها  تاريخيا  .  تتطلب  دراسة  وضع  فكر الإنسان  آنذاك  بعتبارة  مبتكر  تلك  الأنظمة  و المساهم  في  إنجاحها  و مما  لا شك  فيه  إن  تطور هذه  الأنظمة  جاء  تلبية  لمتطلبات الحياة  في  كل مرحلها  ولذا  ارتأينا  إن  نقسم ادوار نضوج الأنظمة  السياسية  إلى  أربعة  مراحل  فقط  لنتمكن  من  الإلمام  بهذا  الموضوع  بشكل  تام ...
أولا : مرحلة الكهوف الأثرية .
تبدأ  هذه  المرحلة  مع  استيطان الإنسان القديم  منطقة  شمال  العراق  وجبال  زاكروس  في نهاية  العصر الحجري القديم الأدنى  وبداية  العصر الحجري القديم  الأوسط . حيث  وجدت بقايا  لإنسان النيادرتال في مجموعة من الكهوف الأثرية مثل  كهف زرزي و هزار ميرد  في سليمانية ، وكهف  بالي كورا  في  جمجمال  ، وكهف  كيوانيان في  راوندوز ،  بالإضافة إلى  كهف شانيدر الذي  يقع  في  جبل برودست  وهو أشهر هذه  الكهوف على  الإطلاق ، و تعد  منطقة كهف  شانيدر مهمة من الناحية الأثرية  والجيولوجية بعد  إن تم  العثور على خمسة  عشر كهف  مجاور له  جميعها  كانت ملائمة لمعيشة
التجمعات البشرية ومأهولة بالسكان آنذاك . وكما  تقدر الفترة الزمنية لامتداد  وجود الإنسان  في  هذه  الكهوف  إلى 60،000 إلف سنة  ق.م . حسب  عمر الهياكل  البشرية  المكتشفة  فيه .  و من المؤكد  تاريخيا  إن هذه  التجمعات  لم  تكن  تعرف  النظام  الاجتماعي  والسياسي بعد  وإنما كانت تعيش غالبا  على  شكل علاقات أسرية  متجمعة  في الكهوف ، وكانت تدافع  عن نفسها بشكل تعاوني  وكانت تعيش على صيد الحيوانات العشوائي و الجمع والالتقاط  النباتي  وما موجود في الطبيعة من خيرات ونعيم . وهي مصدرا أساسيا لحياته الاقتصادية والسياسية الغير واضحة بعد 
ثانيا : مرحلة القرى الزراعية :
مع  بداية  ظهور العصر الحجري  الحديث  اعتدل  المناخ  ومال  إلى  الدفء ، بعد  إن  كان جليدا ومطيرا في الكثير من  الأماكن  فتغيرت علاقة  الإنسان بالبيئة الطبيعية تدريجيا .  وأدى  ذلك  إلى  اكتشافه  للزراعة وإنتاجها  وتدجين  الحيوانات واستئناسها  فظهرت  القرى  الزراعية الفلاحية منذ مطلع  الإلف التاسع قبل الميلاد .  مثل  قرية كريم شهر في سليمانية ، وقرية  حسونة في الموصل  وقرية ملفعات  ، وقرية كردي جاي ، وقرية جرمو ، وقرية  زاوي جمي على ضفة  الزاب الأعلى  والتي  تعتبر أول  قرية  زراعية  في  العالم  وجميع  هذه  القرى  تقع  في  شمال العراق  والمنطقة
المتموجة اي مناطق متجاورة جغرافيا . وبرزت معالم المجتمع والحياة الاجتماعية في هذه المرحلة  لان الثورة  الزراعية  أحدثت  تحولا  اقتصاديا  وسياسيا  كبير  أضاف  إلى  تاريخ  تطور المجتمع  البشري  تقدم  خطير . فعلى الرغم من اكتشاف وجود  خمسة وعشرون إلى ثلاثون  بيت مشيدة من الطين  ومسقفة  بالحصر في  قرية  جرمو على  سبيل المثال .  فقد  نشاءت  فكرة  الملكية  الفردية  أي  ملكية الحقل و المنزل والعمل . كما  تم العثور على العديد  من الآلات وألادوات  الحجرية التي صنعها  إنسان  هذه ا المرحلة  إما  النظام  السياسي في  هذه  المرحلة  فقد  بدء  مع  نضوج  الفكر
السياسي الذي  تقدم خطوات مهمة جدا فعرف مفهوم  السلطة الديمقراطية ولأول مرة والتي  تمثلت بسلطة  شيوخ  القرية  ووجهاءها  حيث  كان هذا  المجلس  يختار من  كان  يحتل في القرية  منزلة  روحية  مميزة  ومكانة  سامية  لدى  سكان القرية  والذي يستطيع  إن يحقق  طموح  جميع  إفرادها
وكما تطور مفهوم التجمعات  الأسرية  في المرحلة  السابقة  إلى نضام  العشيرة الواحدة في القرية
وبقي شيخ القرية ومجلس أعيان القرية هي القوة السياسية الحاكمة في هذه المرحلة .
ثالثا :  مرحلة نشوء المدن ـ ودويلات المدن :
شهد السهل الرسوبي في جنوب العراق  حول مجرى  نهري دجلة والفرات  وجود  استيطان لأقوام
وتجمعات بشرية  متحضرة عرفت  فيما بعد  باسم  السومريون . وسمي  عصرهم  التاريخي  باسم 
عصر فجر السلالات  والممتد  بين ( 2900 ـ 2370 ق.م ) ..
وقام السومريين الأوائل  بمرور الزمن بتمصير المدن وبنائها  وأعمارها وتحصينها  فتكونت اثنتي عشر مدينة على اقل تقدير مثل  مدن أور ولكش وشروباك  وكيش  وأوما واريدو وخفاجي  وسيبار 
ونفر والوركاء وكل واحدة تشكل مدينة كبيرة مسورة ومحصنة ، تحيط بها  ضواحي مؤلفة من عدة 
قرى كبيرة وصغيرة . وفي هذه المرحلة تكونت النواة الأولى  لنضام الحكم المحلي للمدينة الواحدة    واستقلالها عن بقية المدن الأخرى  فنتج عن ذلك ولادة  نضام سياسي جديد جاء متوافقا مع التطور 
السريع للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الجديدة .. 
وتلقب رأس الحكم  في المدينة السومرية في بداية أمرة  بلقب ( أنسي ) وتعني النائب أو الوكيل عن مدينته وأهلها ومعبودهم  . وكان انسي يجمع بين السلطة الدينية والدنيوية بكل حرية ، وكان يساعده في الحكم مجلسين : الأول مجلس شيوخ المدينة وكبار موظفيها ، والثاني مجلس العموم  أي النواب والمؤلف من المواطنين  الذكور القادريين على حمل السلاح حيث  كانوا  يجتمعون ويتشاورون في أمور مدينتهم  ويسندون  القيادة إلى واحد منهم  خلال الحروب .  ويسندون إدارة المعبد إلى الكاهن  ثم مال حكام المدن إلى تغليب  الصبغة السياسية الإدارية  في سلطتهم المدنية وتلقب كل
منهم  بلقب
(
لوكال )  وتعني الرجل الجليل العظيم والتي ترادف كلمة الملك . وهنا تحولت هذه المدن إلى حكم دويلات المدن بمعنى أصبحت كل مدينة عبارة عن دولة مستقلة منفردة تتنازع وتتحارب  مع المدن
الأخرى للاستحواذ على الأراضي الزراعية ومصادر مياه الري وتوسيع رقعة نفوذها  وكان المعبد ( الزقورة ) أكبر وأعلى بناء في المدينة ويأتي من بعدة  قصر الملك ومؤسساته .
وضل  السومريون  أكثر من  خمسة  قرون  ضمن  عصر فجر السلالات  في  غياب تام  للوحدة السياسية  الكاملة ....
رابعا : مرحلة السلطة المركزية الموحدة .
بدئت فكرة توحيد  دويلات المدن بدولة مركزية  شاملة تحت حكم سياسي موحد تخالج  مخيلة حاكم دويلة أوما  المسمى  لوكال زاكيزي  وفعلا تمكن  هذا الملك في غضون  خمسة وعشرون عام من حكمة  توحيد دويلات المدن السومرية جميعها ، بعد إن خاض  حروب طاحنة من اجل هذا التوحيد
ثم استطاع  إن  يحقق حلمة  الثاني  في مد حدود  ملكة من  منطقة  البحر الأسفل ( الخليج العربي ) والى البحر الأعلى ( البحر المتوسط )  حتى  لقب  بملك سومر . فنجح  في تكوين  أول دولة  كبيرة مركزية مستقرة في العراق . مكونا بذلك  أول  إمبراطورية في العالم برأينا  ؟  وقد اشرنا إلى  ذلك في مقالة  سابقة ...
ثم  جاءت  هجرات  الجزريين  إلى وادي  الرافدين  وتمكن  سرجون  الاكدي  من  اعتلاء  العرش  مؤسسا الدولة الاكدية  واتخذ عاصمة  له واسماها  أكد  وخلال الأربعة والخمسون  عام من حكمة  حول الدولة إلى إمبراطورية  متكاملة  حكمت بين  ( 2371 ـ 2230 ق . م )  وهكذا  تحول النظام  السياسي في  العراق  القديم  إلى  نضام  ملكي  إمبراطوري  شامل .  وجاء بعد ذلك تعاقب الأقوام  والسلالات والجماعات  الأخرى  لبلاد الرافدين  حتى سميت  عصور حكمهم  بأسمائهم . مثل حكم الكوتيين  و إمبراطورية  سلالة  أور الثالثة  بزعامة  اورنمو .  و دولة  بابل  القديمة  حيث  أصبح سادس ملوكها  حمورابي
إمبراطور العالم  القديم  في وقته  وشرع  قانونه  الشهير
ثم  سلالات  دولة ايسن  ولارسا  واشنونا .  ودولة  الكيشيين .  ثم  وجاءت  بعدهم  عصور الدولة  الأشورية  وممالكها  الثلاثة إلى  إن  ينتهي  التاريخ  السياسي  للعراق  القديم  بسقوط  إمبراطورية  بابل الحديثة عام  ( 539 ق. م) .
وعلى ضوء  ذلك فقد  تطور النظام  السياسي في العراق القديم  مع  تطور الإحداث  التاريخية التي مرت علية . ففي هذه المرحلة ظهرت المملكة الموحدة الكبيرة وأتعست إلى إمبراطورية في العصر ( الاكدي والبابلي القديم  والأشوري والكيشي والكلدي )  وأصبح الملك على رأس السلطة  ومصدر التشريعات  والقوانين  .  حتى  اشتهر بعض  الملوك  واتخذوا لأنفسهم  ألقاب عدة  ترمز إلى  القوة والنفوذ  والنزعة الفردية  في  الحكم ، مثل  ألقاب ( ملك ارض سومر وأكد )  ولقب ( ملك الجهات الأربعة )  ولقب ( ملك الكون )  وبعض الملوك  اتخذوا صفة الإلوهية المطلقة  بمعنى أنة توج إلهة مثل نرام
سين وشولجي .
و لان  الملك  يمثل  قمة هرم  السلطة  في  المملكة  فكان  يساعد  في  إدارة الحكم  مؤسسة  إدارية متكاملة  تبدأ  بمستشارة  الخاص  و وزيرة  الأعظم  و المسمى  بالبابلية  ( سكال ـ ماخ )  والحاكم العسكري الذي  يقود الجيش والمدعو ( شكنا )  و حكام  المدن  والأقاليم  والكهنة  والقضاة  ثم كبار  الموظفين الموكلين عن أملاك  القصر والمعبد  والمحاسبين والحراس  وعشرات الموظفين الصغار والى

آخرة  ...
ختاما  :
لو تمعنا قليلا لوجدنا إن  تاريخ حضارة وادي الرافدين مليء  بالتطورات الحضارية والسياسية في جميع مراحله  التاريخية  وقد تناولنا  في هذه المقالة  تحليل  مختصر للأنظمة  السياسية في العراق القديم في جميع مراحله الرئيسية حسب تسلسل  تدريجي  للإحداث  معتمدين على  البحوث  الأثرية  والكتابية  .  ورأينا إن  الديمقراطية ألتشاورية  كانت من اختراع  العراقيين  حيث  بدئت في عصر القرى الزراعية ، وتجسدت بشكل أدق عند السومريون ومن تلاهم من الأقوام الأخرى .  في الوقت الذي كانت  فيه نصف الكرة الأرضية تعيش في الجهل  والظلام  والجليد
ورأينا أيضا إن النظام الإداري المنضم تكون في مرحلة السلطة المركزية  حيث توسعت رقعة بلاد الرافدين سياسيا وانتقلت حضارتها وثقافتها العريقة إلى  البلدان المجاورة حيث تعلموا من العراقيين كيف يبنون حضاراتهم وتحظرهم .  وهذه شيم العراقيون الذين علموا العالم كيف يعيش بأمن وأمان وتطور نحو الأفضل .... 
       


المصادر التي اعتمدت في كتابة المقالة
:
1 ـ  عصور قبل التاريخ / د. تقي الدباغ  و  د. وليد الجادر مطبعة جامعة بغداد 1983 .
2
ـ  تاريخ حضارة وادي الرافدين ج1 /  د. احمد سوسة / ط بغداد دار الحرية 1986 .
3
ـ  مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ج1/  طه باقر / دار الوراق 2009 .
4
ـ  الشرق الأدنى القديم مصر والعراق /  د. عبد العزيز صالح / ط القاهرة 2009 .
5
ـ  من ألواح سومر / صموئيل نوح كريمر /  ط ومؤسسة فرانلكين للطباعة والنشر .
6
ـ    سلالات وبيئات الإنسان /  د. فاروق كامل عز الدين / طبعة جامعة الزقازيق مصر


العودة للصفحة الرئيسية