يتعيّن على السيد يونادم كنّا ان يعتذر للشعب الكلــداني ؟
د . حبيب تومي

الى موقع عنكاوا العزيز : نحن لا نريد ان ندخل في هذا الجدال العقيم حول التسميات ، ولكن هل نسكت امام من يختزل شعبنا بمفردة الطائفة ؟ هل ينبغي ان نسكت على هذه الإساءة ؟

أقول :

 الأنسان ليس معصوماً من الوقوع في دائرة الخطأ ما دام يؤدي عملاً هذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان ، ولكن يبقى التراجع عن الخطأ من الفضائل التي يتسم بها بني البشر المتحضرين ، وفي المواقف السياسية نلاحظ الأعتذار عن أخطاء سابقة على اعلى المستويات ، حيث ان دولة تعتذر لأخرى على لسان رئيسها عن جرائم وأخطاء حدثت في مراحل تاريخية سابقة .

لقد كان العهد العثماني يسمي الأقليات الدينية بالملة او الطائفة والأخيرة تدل بشكل عام على المذهب الديني ، لقد عمل المخلصون من ابناء شعبنا الكلداني وفي مقدمتهم يوسف غنيمة على إلغاء مفردة الطائفة من لائحة القانون الأساسي وتعويضها بمفردة الأقلية كما وردت في معاهدة سيفر 1920م  وناضل ضد هؤلاء المتعصبين وتمكن مع لفيف من المناضلين الكلدان ان يلغوا مفهوم الطائفة ، كان ذلك سنة 1922 يوم لم يكن هنالك يونادم كنا وحزبه الآشوري ، فكان تمثيل اقليات غير الأسلامية بعدالة وبإنصاف بفضل جهود هؤلاء المناضلين الرواد . ولكن رابي كنا يعود بنا الى المربع الأول ، حيث يأخذ مكان اولئك العتاة المتعصبين ليصف شعبنا الكلداني(( بالطائفة )) . يا له من منطق رجل يتسلم قيادة اكبر حزب لشعبنا ويسئ هذه الأساءة التاريخية لأكبر شريحة من هذا الشعب .

لكن يقال ان للسيد كنا تاريخ حافل بالاساءة الى الشعب الكلداني ربما كانت تلك الأساءات عن جهل او تجاهل ، ولكن الآن انقل خبر لقاء السيد كنا مع غبطة البطريرك الكاردينال، مار عمانوئيل الثالث دلي، كلي الطوبى، عن موقع زوعا حيث يصف شعبنا الكلداني بالطائفة فأنقل الخبر كما هو إذ يقول :

 زوعا- خاص

        (((      زار السيد يونادم كنا عضو مجلس النواب العراقي السكرتير العام للحركة الديمقراطية الاشورية قداسة الكاردينال مار عمانوئيل الثالث دلي بطريرك الكنيسة الكلدانية يوم 15-5-2009م وذلك لتقديم التهاني بمناسبة انتهاء اعمال السينودس المقدس للكنيسة الكلدانية الذي انعقد في عينكاوه للفترة من  28 نيسان لغاية 5 ايار 2009 م وتمنى للكنيسة الموفقية في خدمة ابناء طائفتنا الكلدانية في جميع انحاء العالم ))) .

هذا هو منطق السيد كنا الذي يدعي بأننا شعب واحد ، ولكنه يعيد نفس النغمة القومية الشوفينية التي كانت سائدة  قبل حوالي قرن من الزمان ، ولكن يبدو ان ذلك ليس غريباً على رابي كنّا ، إذ سبق له ان تحدى الحضور في نادي كريستال في سانت ياغو في الولايات المتحدة بأن التاريخ العراقي خالي من من اي ذكر للكلدانيين . ويبدو ان رابي يونادم ليس له وقت يقضيه  في قراءة التاريخ ، وشأنه كمن يقول لا يوجد جبال هيملايا  بسبب عدم قراءته عن هذا الموضع ، فهل عدم القراءة يعني عدم وجود جبال هيملايا ؟  هكذا رابي يونادم لم يقرأ عن الكلدانيين فيقول ، ليس في بلاد ما بين النهرين ذكر للكلدانيين ، وأقول لرابي يونادم إن لم يكن له متسع من الوقت  لقراءة التاريخ فينبغي ان يوجه واحداً من مستشاريه ، وأنا سأتطوع لمساعدة هذا المستشار لايجاد المصادر التي تذكر الشعب الكلداني  وحضارته في بلاد ما بين النهرين  .

 سأرشده الى كتاب حديث نسبياً اسمه رحلة المنشئ البغدادي  كتبها السيد محمد ابن السيد احمد الحسيني المعروف بالمنشئ البغدادي ونقلها عن الفارسية عباس عزاوي المحامي  وهو يقول زرت البلدات القوش وتلسقف وتلكيف وغيرها وفيها الآلاف من العوائل الكلدانيـــــــــــــــــة ، ولم يقل انهم من الطائفة الكلدانية وقوميتهم آشورية ، والسبب بسيط لان لم يكن هنالك مفردة اسمها آشورية او آثورية على مسرح الأحداث كانت هنالك لفظة الكلدانيــــة فحسب لا غيرها .

كما سأساعد هذا المستشار بإرشاده الى كتاب " رحلة متنكر وهو سون الذي اتخذ له اسم غلام حسين شيرازي الى بلاد النهرين وكردستان " الذي يكتب عن جبال حكاري وعن اورمية ويذكر فقط اسم الكلدان وحتى في زيارته الى كركوك وهي في مطاوي القرن التاسع عشر يقول : فكركوك مؤلفة من مجموعة أجناس منهم اليهود والعرب والسريان والأرمن والكلدان والتركمان والأكراد ولم يذكر حرف عن واحد عن الآشوريين .

وفي المزيد عن تاريخ  شعبنا الكلداني فهذا الشعب له مكانته العلمية والمؤرخ يمكن ان يستقرأ الكثير من الحقائق التاريخية في الكتب المقدسة ومنها العهد القديم فقد ورد في سفر التكوين ان ابينا ابراهيم خرج من اور الكلدانيين ،  نقل معه تراث شعبه وعلومه الدينية والتشريعية الى المناطق المعروفة التي حل بها في رحلته ، وأصبح ذلك التراث خميرة لاديان وحضارات انتشرت في العالم القديم .

كانت ثمة كتابات كثيرة عن تاريخ الكلدان منهم ابو التاريخ هيرودوت او هيرودوس وديودوروس الصقيلي والكلدانيان ابو الحسن بن ثابت وبيروس واصل اسمه برحوشا وهو بابلي كلداني حيث درّس العلوم الكلدانيــــــة في اثينا سنة 341 قبل الميلاد ونستفيد من ادي شير حيث يقول : ان الأثينيين قد نصبوا له تمثالاً ، وصنع لسان هذا المثال من ذهب تكريما لمكانة هذا المعلم العلمية .

 ومن المؤرخين الذين اشاروا الى الكلدانييـــن ومنجزاتهم المؤرخ المسعودي في مروج الذهب ، كما ان العالمة الفرنسية ماركريت روثن كان لها بحث رائع وأسهب في شرح  علوم الكلدانيين حيث ترجمه المرحوم الدكتور يوسف حبي ، ولا اريد هنا الأستفاضة في هذا المجال لكن اشير باختصار الى ما كتبه المؤرخ العربي القاضي ابي القاسم صاعد الأندلسي المتوفي سنة 462 هجرية في كتابه طبقات الأمم : يقول :

الأمة الأولى هم الفرس ، والأمة الثانية هم الكلدانيون والأمة الثالثة هم اليونان .. والخ فيكتب عن الكلدانيين انهم السريان والبابليون وكانوا شعوباً منهم الكوثائيون والآثوريون والأرمانيون والجرامقة وهم اهل الموصل والنبط وهم اهل سواد العراق .

وبلاد الكلدانيين كانت ، ودائماً مع الأندلسي : كانت وسط المعمورة وهي العراق والجزيرة التي ما بين دجلة والفرات المعروفة بديار ربيعة ومصر والشام وجزيرة العرب التي بين حجاز ونجد وتهامة ومناطق  اخرى ما تعرف اليوم بالخليج العربي ، وقرأت في موسوعة الخليج العربي التاريخية ان مناطق الخليج المعروفة  اليوم كانت تشكل المقاطعة 23 من الأمبراطورية الكلدانية قبل سقوطها ، وكانت هذه المقاطعة لها اهتمام خاص من قبل الملك نبوخذ نصر مباشرة ، وإن ما يعرف اليوم بالخليج العربي  كان في ذلك الزمن يطلق عليه بحر الكلدانيين.

 وإذا تأملنا ما يكتبه الأندلسي ايضاً عن الأمم التي عنيت بالعلوم نقرأ حسب تقسيمه ان بأنه كان ثمة ثمانية امم عنيت بالعلوم ويضع الهنود في المقدمة ثم الفرس وثالثاً الكلدانيون وبعدهم العبرانيون واليونانيون ..

فالكلدان كان منهم علماء توسعوا في المهن التعليمية والعلوم الرياضية والألهية وكانت لهم عناية خاصة بأرصاد الكواكب وأسرار الفلك ومعرفة مشهورة بطبائع النجوم وأحكامها .

ولا اريد الأستفاضة لأن هذا الموضوع لا يمكن تلخيصه في سطور ، لكن مع ذلك لا بد من الأشارة الى مساهمة الكلدانيين في المسيرة التاريخية لبلاد من بين النهرين فبعد بزوغ فجر المسيحية وجدت طريقها الى قلوب اهل هذه الديار ، وطفق الكلدانيون بعد اعتناقهم الدين المسيحي في نشر الدين وبناء الكنائس والأديرة والمدارس ، وإن الأثار المبثوثة في أرجاء السهول  العراقية وفي جبال ووديان كردستان تشير جميعها الى اهتمام هذا القوم بالعلوم والفنون والأديان في مختلف الحقب التاريخية ، ومن المحطات المهمة في تاريخ الكلدانيين كانت عودتهم الى خيمة الكنيسة الكاثوليكية الجامعة ، وكان لابد في يومذاك من اختيار الهوية الوطنية القومية لتمييزهم عن الكاثوليك في المنتشرين في أرجاء العالم ، وكان تلهفهم الى إعادة اسمهم القومي الكلداني ليصبح عنواناً لهويتهم القومية الكلدانية ، وكان فكان ذلك جزءأً من وفائهم لاسمهم التاريخي ولهويتهم القومية .

وبعد هذه المسيرة كان الأقرار بقوميتهم الكلدانية وحقوقهم القومية في معاهدة سيفر التي ابرمت بين الدول المنتصرة في الحرب عام 1920 حيث ورد في مواد 62 و 63 و 64 اشارت جلية وصريحة  الى حقوق الشعب الكردي في الأستقلال الذاتي وإشارات اخرى صريحة لمنح الحقوق القومية للاشوريين والكلدان وغيرهم من المكونات في هذه البلاد .

إن رابي يونادم إن كان لا يريد قراءة التاريخ ، فإنه كرجل سياسي عليه على الأقل ان يطلع على دستور العراق وسيقرأ في المادة 125 من الدستور العراقي التي تقر بالقومية الكلدانية كقومية عراقية أصيلة وهذا ما ينطبق على مسودة الدستور الكردستاني .

اليوم مطلوب من رابي يونادم كنا ان يعتذر لشعبنا الكلداني عما اقترفه بحقه من إقصاء وألغاء في عدة مناسبات ومن تعليقاته الأستفزازية والتي لا تليق برئيس حزب مناضل كبير كالحركة الديمقراطية الآشورية ، وكان نعت شعبنا الكلداني بالطائفة آخر هذه الإساءات ، وهي نسخة طبق الأصل لما ردده غلاة العنصرية ضد شعبنا قبل حوالي قرن من الزمان ، فينبغي على رابي يونادم  ان يكف من هذه الأساءات ويعتذر لشعبنا الكلداني بروح رياضية ، وهذا هو الطريق الشفاف السليم في بناء جسور التفاهم بين مكونات شعبنا من الكلدان والسريان والآشوريين .

الى اصدقائي في الحركة الديمقراطية الآشورية لم يكن بودي كتابة هذا المقال لولا العملية الأستفزازية لرابي كنا بوصف الشعب الكلداني بالطائفة .

حبيب تومي / اوسلو في 20 / 5 / 2009

العودة للصفحة الرئيسية             العودة لأرشيف الكاتب