رحلتي الى مدينة سان دييكو ونتائج مهمة لصالح شعبنا الكلداني ولقاءات مع الأحبة
د . حبيب تومي

للمرة الثانية اقطع الآف الأميال عبر الأطلسي الذي كان يطلق عليه في قديم الزمان "بحر الظلمات" لأصل الى مدينة سان دييكو الواقعة جنوب غربي اميركا، وهي مدينة معروفة بمناخها الجميل على مدار فصول السنة، والمترامية على مساحة كبيرة بين الجبال والوديان، والمطلة على البحر الممتد في الأفاق البعيدة المتناغمة مع شمس الأصيل في المحيط الهادي اكبر المسطحات المائية على كوكبنا الجميل {الأرض}.

في هذه السفرة توفرت فرصة عزيزة لحضور احتفال مهيب اقيم بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس ابرشية مار بطرس الرسول الكاثوليكية للشعب الكلداني في مدينة سان دييكوـ كاليفورنيا، وللأيام 19 ـ 23 تموز 2012 وقدمت مختلف الفعاليات الدينية والثقافية والفنية والأجتماعية، وكانت تلك الأيام فرصة سعيدة للقاء مع المطارنة الأجلاء: المطران سرهد جمو والمطران ابراهيم ابراهيم والمطران مار باوي سورو من خلال مأدبة عشاء في قاعة كنيسة مار ميخا الكلدانية يوم السبت المصادف 21 / 07 إذ جرى تكريم عدداً من الشخصيات والمنظمات التي ساهمت في مسيرة الأبرشية منذ تأسيسها وكذلك الشخصيات الذين كان لهم دور جيد في العمل القومي الكلداني.

وهنا اريد ان اشير الى ناحية مهمة في هذه الأبرشية التي يقف على راسها المطران الجليل مار سرهد جمو، الذي استطاع بكل شجاعة ان يكسر طوق الخوف، من التهمة الجاهزة التي تلصق بكل من يدافع عن حقوق شعبه الكلداني بأنه انقسامي وانفصالي.. فحطم حاجز الخوف بعقد مؤتمر النهضة الكلدانية في مركز ابرشيته في سان دييكو قبل عام ونيف. لقد كان البطريرك مار دنخا الرابع هو المبادر الأول للوقوف مع شعبه قومياً، لكن ثمة فرق بين الموقفين، وهو ان البطريرك مار دنخا الرابع اتسم موقفه بمساحة من التزمت في إلغاء قوميتنا الكلدانية فيما بادر المطران سرهد جمو الى الأعتراف بكل مكونات شعبنا من الكلدان والسريان والآشوريين وتحت فكر مبني على الأحترام المبادل دون اقصاء اي طرف من الأطراف.

لقد تضمن برنامج الأحتفال يوم مخصص لبحث المسائل القومية التي تخص شعبنا الكلداني، وقد تحدث الأستاذ الدكتور عبدالله رابي عبر محاضرة قيمة عن برنامج العمل الكلداني، وكان الدكتور نوري بركة رئيس المعهد الكلداني الأمريكي قد تحدث قبل ذلك ورحب بالحضور وللرجل دور فاعل في مبادرة للعمل القومي. كما كان ثمة فسحة زمنية للتحدث بالشأن القومي لكل من الأخوان ابلحد افرام الأمين العام حزب الديمقراطي الكلداني والدكتور نوري منصور سكرتير المنبر الديمقراطي الموحد والأخ سام يونو سكرتير الحزب الوطني الكلداني والأخ بهنام جبو رئيس اتحاد الاندية الكلدانية في السويد ، وكاتب هذه السطور المتواضعة.

اجل ان ابرشية مار بطرس الكاثوليكية للشعب الكلداني، حينما يصار الى جواز الاحتفال بتاسيس هذه الأبرشية الكنسية، يتعين ان تمتلك حقوق اخرى ثابتة في ان تفتخر وتعتز بالهوية القومية للشعب الكلداني، وأؤكد ان ابرشية مار بطرس الكاثوليكية لشعبنا الكلداني هي الوحيدة بين ابرشياتنا في العراق والعالم التي تحمل هذا السمة بامتياز وبشجاعة، وانا اقول هنا ان هذه الأبرشية لم تنحني او تخشى، لما استطيع ان اسميه الأرهاب الفكري الذي يطبق بحق شعبنا الكلداني، حيث من المحظور على اي كلداني التعبير عن هويته القومية بحرية، وفي احسن الأحوال تلصق به المثالب وتوجه له التهم إن تجرأ احد ابنائه بالأعلان او بالدفاع عن هويته القومية الكلدانية، وفي احوال اخرى يجري محاربته في رزقه او يصار الى محاربة كلامية او يحاط بتعتيم إعلامي. وهذا ليس سراً اكشفه بل هو واقع مؤسف نعيشه ولدي امثلة كثيرة ووقائع لا تخفي على ذي نظر.

لكن تبقى النتائج المهمة التي ترتبت على هذه الزيارة هي التي تمخضت عن اجتماع قادة ومسؤولي احزاب شعبنا الكلداني الذين تقاطروا الى هذه المدينة من العراق واوروبا ومن امريكا وكندا، فحضر كل من الأخوة: الدكتور نوري بركة والأخ أبلحد افرام والأخ الدكتور نوري منصور والأخ سام يونو والأخ الدكتور عبد الله رابي والأخ شوقي قونجا والأخ صباح دمان والأخ بهنام جبو وكاتب هذه السطور، وكان الأجتماع في مقر المعهد الأمريكي الكلداني، وبعد التداول والمناقشات المستفيضة اعترف الجميع بالواقع المرير الذي يمر به شعبنا الكلداني، فما هو معروف وبديهي ان الشعب الكلداني سلبت حقوقه القومية والسياسية بشكل ظالم وغير انساني، إن كان بما طاله من عمليات ارهابية وتهجير ومحاربة ، او كان بما تعرض له من سلب حقوقه القومية بحجة كونه مكون مسيحي، والحملة الظالمة اللاإنسانية التي يتعرض لها لطمس تاريخه وقوميته الكلدانية في وطنه العراقي وهذا يعتبر انتهاك لحقوق الأنسان.

لكن اهم من كل ذلك، كان الأعتراف الصريح بأن جزءَ مهماً من هذه المسؤولية يقع على عاتقنا نحن الكلدان، فبالرغم مما اصابنا من غبن وإهمال وتهميش، غير ان ذلك لم يشكل حافزاً لتوحيد خطابنا بشكل جوهري وحقيقي، فكانت منظومة النقد الذاتي مقبولة بشكل ملفت، واتفق الجميع على توحيد الخطاب قبل كل شئ، وكان الأتفاق على تشكيل هيئة عليا للتنظيمات الكلدانية السياسية، وإن يكون تشكيل تلك الهيئة باكورة عمل جماعي لخطوات مستقبيلة أخرى.

من الجوانب الأخرى لتلك الزيارة كانت اللقاءات مع عدد كبير من الأصدقاء والأحبة وهنا يحضرني اللقاء مع الأب نوئيل كيوركيس الراهب، ومع الأب ميخائيل بزي والذي اهداني مشكوراً نسخة من كتابه الموسوم: بلدة تلكيف ماضيها وحاضرها، ط2 والذي يفتتح الكتاب بكلمات جميلة يقول فيها:

تلكيبه دوشة بكمّي

يا أثرا دبابي ويمّي

شمّاخ بطاننّه إمّي

أوبراخ بكولنّي بدمّي

وهو يترجمها :

تلكيف عسل في فمي

يا بلد أبي وأمّي

اسمك سأحمله معي

وترابك سأمزجه بدمي

وكان لي لقاء اخوي جميل مع الأب سعيد بلو الذي اهداني مشكوراً: كتابه الموسوم: قطرات وهو عبارة عن خطب ومقالات وقصائد، والكتاب الثاني وهو تحت عنوان: وهج الرماد والذي ورد في مقدمته:

وهناك الربوة/ سقطت فوق الهشيم/ في الثنايا دمعة/ من شذى القلب الأليم/ كلما مرّ الهدى/ في ربى الدير القديم/ تسكب الذاكرة/ عبر امواج النسيم/ من حناياها ندى/ من مآقيها نعيم.

وليس لي مفر من اللحظات الجميلة مع الأحبة والأصدقاء والتي تداهمني ولا تسمح بأن يكون لنسيانها سبيل، فقد امضينا اوقاتاً جميلة مع نخبة من الأصدقاء القدماء في مدينة ساندييكو وكانوا من قرانا ومدننا الكلدانية، إن كان من السناطي او شيوز او من تلسقف او تلكيف او من القوش او من مدن وقصبات اخرى، وإن كنت قد عزفت عن ذكر الأسماء في المقال السابق فاليوم اشير الى بعض الأحبة وارجو المعذرة مقدماً إن فاتني احد الأسماء، فكان اللقاء مع الأخوة صباح دمان بشكل دائم وعائلته الكريمة، والصديق يوسف تومكا ابو مناضل ونصرت دمان، ونجيب حنو وبدري قانيجو ونبيل دمان وايوب دمان وأكرم اسطيفانا وموفق السناطي وأصدقاء آخرين حيث كنا نلتقي في نادي ملسن، ولا انسى ضيافة ابن العمل ادور تومي وعائلته الكريمة، والأخ رافد سورو وعائلت الكريمة، وضيافة الأخ طارق جيقا وأخوانه النجباء رافد وخالد وزهير والأخ اكرم جيقا، وأشير الى ضيافة الأخ حكمت من تلسقف. لكن تبقى زيارة الخال ايليا خيرو بلو في الذاكرة مع اخوانه واولاده النجباء وأذكر منهم الصديق العزيز يونس بلو والأخ فؤاد بلو وكل الخؤولة من آل بلو الكرام.

اكرر اعتذاري لمن فاتني او لم يحضرني اسمه فيبقى اعتزازي واحترامي للجميع في هذه المدينة الطيبة بمناخها وجبالها التي تشبه جبال القوش وجاليتها الطيبة من الأخوة الألاقشة ومن تلكيف وتلسقف وباطنايا ومدن اخرى نعتز بها جميعاً دون تفرقة او تعصب، إنها مدن جميلة من الوطن العراقي العزيز.

الدكتور حبيب تومي
ديترويت في 16 / 08 / 12

العودة للصفحة الرئيسية             العودة لأرشيف الكاتب