محاولة إذكاء الخلاف بين البطريركية والعاملين في الشأن القومي الكلداني
د . حبيب تومي

خيط الذكريات يمتد الى فترة الطفولة حيث العبثية والمشاكسات والشقاوة، عندما كان ينشب شجار بين اثنين يحاول الآخر إذكاء الشجار، وعلامة هذا الإذكاء هي بحك اظافر اليد اليمنى مع اظافر اليد اليسرى والغاية الساذجة كانت من اجل تأجيج الصراع وإدامته، وإن كانت تلك العبثية فيها نوازع بريئة فإن مثل هذه النزعة بين الكبار ليست بريئة وتمتد الى الاحزاب والدول فتأجيج الصراع له غايات وأهداف، إذ كان دائماً من يصب الزيت على النار لأذكاء ولأستمرار الحرب العراقية الأيرانية التي دامت 8 سنوات بالتمام والكمال حتى وصفت في وقتها بانها الحرب المنسية وإلا كيف تدوم تلك المآسي كل هذه السنين لو كان اهتمام دولي بإيقافها؟ لقد كانت حرب بدون اهداف وبدون نتائج فهي حرب من اجل الحرب ومن اجل استنزاف الطرفين ليس إلا.

اليوم هنالك من يحاول دق اسفين التفرقة وخلق فجوة بين غبطة البطريرك وأبناء شعبه إن كانوا من المستقلين من الذين يفتخرون بقوميتهم الكلدانية، او من الذين يشكلون احزاب قومية كلدانية ويسعون للانخراط في العملية السياسية العراقية او في اقليم كوردستان، بل يذهب بعضهم الى محاولات دق أسافين التفرقة والأيقاع بين غبطة البطريرك وبعض من المطارنة الأجلاء، ويستمرون في مواقفهم المناوئة لأي توجه قومي كلداني شريف. ويعملون على تأويلها وإظهارها وكأن امامنا معركة طاحنة بين غبطة البطريرك وبين القوميين الكلدان او بين مؤسسة البطريركية وبعض المطارنة، الى درجة ان احدهم يتطاول على المطران الجليل ما سرهد جمو فيضع عنواناً لمقاله يقول: نيافة المطران سرهد جمو يتمرد ويتحدى البطريركية الكلدانية ويستفز شعبنا في الوطن..

وآخر يقول او ينقل بأن البطريرك سيقوم بطرد الكهنة الداعين الى قيام الدولة الكلدانية.

إن هؤلاء حينما شاهدوا صحوة الكنيسة الكلدانية وشعبها الكلداني ونزولهم بقلب واحد الى الساحة الوطنية العراقية والزخم الإعلامي الداخلي والخارجي الذي رافق هذه الحالة، وأصداء هذا الزخم الذي رافقه بتمثيل رسمي عراقي وكوردستاني على اعلى المستويات، كل ذلك وضع شعبنا الكلداني وكنيسته تحت الأضواء، ولكن يبدو ان هنالك من لا يريد لهذا الشعب وهذه الكنيسة لا يريدون لهم الأزدهار والتقدم، فأخذت بعض الأقلام تحاول دق اسافين التفرقة لتفريق صفوف هذه الكنيسة وشعبها المظلوم، فأثيرت مزاعم لا اساس لها من الصحة ومخاوف لا تستند على المنطق وعلى أرض الواقع مفادها:

ان هنالك اصوات قومية كلدانية تنادي بالقومية الكلدانية وتلغي السريان والآشوريين والأرمن في العراق.

حقاً انه كلام فارغ وساذج ويفتقر الى المصداقية والموضوعية، فالكلدان كما هو معروف هم القوم الوحيد الذي ينبذ الطائفية وهو المنفتح على جميع الأقوام العراقية ويعتبر الكلدان ملح المجتمع العراقي عموماً، فكيف يمكن ان نصدق ان الكلدان يطرحون مثل هذه الأفكار التي تصب في خانة الفكر القومي الإقصائي؟ إن القوميين الكلدان يقفون بشدة مع منظومة الأحترام المتبادل، وهم يحترمون المشاعر القومية لأي مكون عراقي وفي مقدمتهم السريان والآشوريين والأرمن. فكيف يمكن ان نصدق هذه الأحجية الركيكة التي لا تستند على حقيقة او منطق مقبول.

إن مفبركي هذه الأفكار ومطلقي مثل هذه الشائعات ليسوا ابرياء من الدوافع، إنهم يريدون السوء للكنيسة وشعبها الكلداني، إن هؤلاء مهنتهم التخريب وليس التعمير، ولا يريدون الخير لكنيستنا وشعبها، بل يردون تمزيقها بأي شكل.

ومن المزاعم الساذجة الطفولية الأخرى إن غبطة البطريرك الكلداني سوف يعمل على إنذار وطرد الكهنة الداعين الى الدولة الكلدانية .. يا لها من مزاعم افترائية كاذبة.

عن اي دولة كلدانيـــــة يتحدثون؟ من اين لكم هذه المزاعم؟ إنها افتراءات ومزاعم لا اساس لها من الصحة.

لقد اشتركنا في مؤتمر قومي كلداني طيلة خمسة ايام في ديترويت بدعوى من المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد، وحضر المؤتمر كل المهتمين بالشأن القومي الكلداني من الوطن ومن انحاء المعمورة من ممثلي احزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني وكتاب ومؤرخين ومفكرين ومستقلين، ويعتبر المؤتمر اعلى هيئة كلدانية، وجرى التطرق الى ضرورة توحيد الصفوف وانبثقت هيئة باسم:

اتحاد القوى السياسية الكلدانية، كما جرى التطرق الى مسائل التمويل والأعلام والتغيير الديموغرافي والعلاقات مع القوى السياسية لشعبنا، والى تعزيز العلاقة من مؤسسة كنيستنا الكاثوليكية الكلدانية .. وغيرها من الأمور، ولم يجري التطرق مطلقاً لمسألة تكوين كيان كلداني إن كان محافظة او دولة او حكم ذاتي، او منطقة آمنة او إدارة محلية في منطقة ما. لقد اكد الحضور الى الأنتماء العراقي، لا اكثر، فكيف جرى استنباط واختراع فكرة الدولة الكلدانية وإلصاقها برجال الدين منهم؟ إنها اكاذيب وافتراءات هدفها شق الصف الكلداني وحفر هوة بين الكنيسة وأبنائها من المهتمين بالشأن السياسي والقومية، وتمزيق مؤسسة الطريركية الكلدانية نفسها.

نحن المهتمون بالشأن السياسي والقومي الكلداني نبارك خطوات غبطة البطريرك مار لويس روفائيل ساكو الكلي الطوبى وتوجهاته بالانفتاح على كنائسنا وبشكل خاص الكنيسة الآشورية، نحن نؤمن ان اي تعاون يحتاج الى الصدق: الذي يقول إنني من كنيسة مختلفة ومستعد للتعاون على اسس من الندية والتكافؤ، إن البطريرك الكلداني حريص على بناء جسور الثقة ونحن نقف مع غبطته ونشد على يده في هذا التوجه الذي يصب في نهر الوحدة الحقيقية المبنية على اسس متينة من التفاهم والحوار الحضاري البناء.

وكما يقول احد الزملاء في رسالة داخلية بيننا، بأن هنالك من يهدف بإشاعة هذه المزاعم بتأليب الحكومة المركزية وأقليم كوردستان ضد الكلدان بدعوتهم لإقامة كيان يصل الى تخوم دولة كلدانية، كما تهدف مثل هذه الحملات تأليب مشاعر طأئفية ضد شعبنا الكلداني وكأننا نريد تحقيق مصالح ذاتية على حساب المكونات الأخرى خصوصاً الأخوة الآشوريين.

ولكن اهم من كل ذلك يعلمون على تعميق الخلافات بين سيادة البطريرك مار لويس ساكو وبين ابناء شعبنا وإستغلال التوتر الحالي لعزل شعبنا الكلداني نهائياً عن قيادته الكنسية.

إن اكثر ما يخشون هو التعاون والتنسيق بين مؤسسة البطريركية وبين المنظمات الكلدانية الثقافية والأجتماعية والسياسية والقومية. وأنا ارى ان خشيتهم هذه لا معنى لها.

هنالك من يبني رؤيته على وجود قتال وصراع حول احقية هذا الأسم او ذاك فهذه نظرية لا اساس لها من الصحة نحن الكلدان نعرف اسمنا واسم قوميتنا الكلدانية ومن يقف في الدائرة الضبابية من هذا الوضوح فهي مشكلته وليست مشكلتنا كما انها ليست مشكلة الآشوري او السرياني او الأرمني كل منا يعرف تاريخه ويعتزالدائرة الضبابية، ونحن ليس لنا استعداد للوقوف في دائرة التردد والتذبذب فكل منا يعرف اسمه وهويته وتاريخه.

القوميون الكلدان وقفوا برسوخ وثبات مع الوطن العراقي ومع وحدته ومع النهج العلماني الديمقراطي، إن هذا النهج هو الطريق الأمثل لوضع العراق في المسار الصحيح، وهو يضمن الحقوق المدنية والقومية والسياسية لجميع المكونات ولهذا بقينا مع هذا النهج الذي يصب في مصلحة الجميع دون استثناء.

نحن القوميون الكلدان لم يكن للتعصب والتزمت القومي مكاناً في قلوبنا ووجداننا، ولم نحاول يوماً ان نستهجن او نستهين بالآخر، ولم نحاول إقصاء اي مكون، فنحن يطالنا الأقصاء ونتشكى منه فكيف ننهي عن سلوك سئ ونأتي مثله؟ فهذا غير ممكن فنحن الكلدان لنا تصور واضح لأسمنا الكلداني ونحترم جميع المكونات ومعتقداتهم، ونطلب منهم دائماً ان يعاملوننا بالمثل ولا نطلب اكثر من ذلك.

لقد تعلمنا على ان البطريكية تدافع وتقف وتدعم شعبها وتدافع عن حقوقه وكرامته، لقد حاول غبطة البطريرك الكردينال المستقيل مار عمانوئيل دلي مع الأساقفة الأجلاء ان يترجموا وقوفهم مع شعبهم حينما قدموا مذكرة الى الحاكم المدني الأمريكي وذلك عام 2004 وكذلك كانت هنالك مذكرة اخرى بنفس المعنى عام 2009 وكانت على هامش السينودس الكلداني مرفوعة الى الرئيس مسعود البارزاني تحمل المطالبة بإثبات حقوق الشعب الكلداني القومية في مسودة الدستور الكوردستاني.

فنحن هنا نحاول اثبات حقوق لشعب اصيل في وطنه، ومن العسير ان نتصور شعباً لا يحمل هوية، والأنسان ذلك الكائن الفريد يستمد شعوره وإحساسه بالهوية والأنتماء فهو يشترك مع عدد كبير من افراد الجماعة في عناصر مشتركة كالثقافة والرموز والمعايير والمصير المشترك وغيرها من عناصر القومية.

في الختام اقول: نحن الكلدان نقف مع جميع المكونات العراقية ولا ينتابنا اي تعصب او تعالي على غيرنا، وفي الشأن القومي فنحن نعتز بهويتنا الكلدانية، وفي الشأن الكنسي نقف مع كنيستنا ومع التوجهات الجديدة بالأنفتاح على كل الكنايس وفي مقدمتها الكنيسة الآشورية، ونحن نقف بقوة معى غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الكلي الطوبى ونطلب من غبطته ومن المؤسسة البطريركية الموقرة أن:

(((تعطي ما لله لله وما لقيصر لقيصر))).

د. حبيب تومي
ديترويت في 25 ـ 05 ـ 2013

العودة للصفحة الرئيسية             العودة لأرشيف الكاتب