بعد استهداف االمسيحيين والإيزيدية في كوردستان سيأتي دور استهداف البارزانيين
د . حبيب تومي

سيتهمني البعض بأنني اريد في العنوان إطلاق مزحة سمجة او قول خرافة مستحيلة الحدوث.
لكن سنرى كيف ان الأحداث ستؤول الى ما كتبته في العنوان ان استمرت الظروف منحدرة بهذا الدرك والسير في المنوال الذي بدأت به. لماذا هذا التكهن او التخيل المتشائم؟ فمرد ذلك ان المنطقة واقعة على تخوم عاصفة الربيع العربي الذي الذي تمخض وسيتمخض عن ولادة حكومات إسلامية لا محالة ودون جدال، فالواقع الماثل امامنا يؤشر الى فوز الأحزاب الدينية المسيسة بدءاً من المغرب وتونس مروراً بمصر والعراق وهي في طريقها للفوز في اليمن وليبيا وأخيراً في سوريا. قد يتساءل القارئ الكريم ما علاقة ذلك بأقليم كوردستان؟ فأقول:

إن إقليم كوردستان يمثل حالة فريدة بين نظم الدولة واللادولة او شبه دولة او ان نسميه اقليم تابع للدولة العراقية له مساحة كبيرة من الحكم الذاتي او حالة موازية وشبه مساوية لحالة تقرير المصير، كل هذه التوصيفات تنطبق بشكل وآخر على اقليم كوردستان، الذي يبحث له مكان تحت الشمس، وامامه خيارات احلاها مر. يمكن توصيف نظام الحكم في اقليم كوردستان بأنه ممزوج بين رئاسي وبرلماني على نمط النظام الفرنسي المتأرجح بين النظام الأمريكي الرئاسي والبريطاني البرلماني، فالحكومة منبثقة من البرلمان والرئيس منتخب من قبل الشعب مباشرة.

من هذه المنطلقات فإن الرئيس مسعود البارزاني يتحمل العبئ الكبير في مسك دفة السفينة في الأقليم لقيادتها نحو بر الأمان، خاصة في الظروف العاصفة التي تمر بها المنطقة، هنالك من يصف الرئيس البارزاني بأنه السياسي المخضرم والذي عركته التجارب فهو قد افلح في حل معضلات معقدة على نطاق الوطن العراقي، وكانت مبادرته لحل الأزمة السياسية المستعصية التي بقيت معلقة بعنق الزجاجة لما يقارب السنة الواحدة، وكانت مبادرته التي اخرجت العملية السياسية من عنق الزجاجة .

ثمة مشاكل مارثونية مع الحكومة المركزية تتعلق بمختلف الملفات لا سيما تلك المتعلقة بالعقود النفطية التي توقعها الحكومة الكوردية مع مختلف الشركات العالمية وأمور أخرى لا مجال للتطرق اليها في هذا المقال، في ذلك الطريق الشائك تكون منظومة التفاوض الهادئ هي السائدة وغالباً ما يكون مهندسها الرئيس مسعود البارزاني.

وثمة ملف آخر ربما يكون اكثر تعقيداً وهو المتعلق بالعلاقات مع الجيران تركيا وإيران حيث يلجأ البلَدان بين حين وآخر الى قصف مناطق داخل اراضي كوردستان العراق وهي اراضي عراقية، وهو يعمل على إنهاء تلك الحالة بالطرق الدبلوماسية ، وفي هذه الحالة يوصف بأنه يقف بالضد من الطموحات القومية للشعب الكوردي لتحقيق اهدافه القومية في كل من ايران وتركيا، وهو طريق يتسم بالحساسية المفرطة ، فإن فتح باب الأقليم لمقاتلي حزب العمال فإن التجربة الكوردية في البناء والتعمير والديمقراطية وبناء المجتمع المدني سوف تتعرض للانهيار، وإن قفل الأبواب ولجأ الى القنوات الدبلوماسية صدرت بحقه شتى انواع التهم والتخوين وما الى ذلك.

ملف المعارضة ليس سهلا ً، فرغم ان الأنتخابات قد افرزت برلمان يتسم بديناميكية العمل السياسي البحت والبعيد عن مراكز المحاصصة الطائفية، إلا ان المعارضة ارادت ان تختار لغة الشارع بدلاً من لغة الحوار في البرلمان المنتخب عن طريق صناديق الأقتراع. وكان تحرك مسعود البارزاني في الوقت المناسب وفي المكان المناسب وذلك بحضوره كطرف يمثل المظلة التي ترسل ظلالها للجميع دون تفرقة اي كغطاء للحكومة والمعارضة.

لا مرية من الأعتراف بوجود سلبيات في الأقليم إن كان على نطاق الفساد الأداري والمالي أو في مسائل المنسوبية والمحسوبية العشائرية والتي تكاد تكون مرض مزمن في مجتمعات دول العالم الثالث، كما ينبغي الأشارة الى بعض الخروقات في القوانين وفي جوانب من انحسار في مساحة حرية الصحافة، أجل ثمة نواقص وسلبيات، لكن حينما نوجه النقد علينا ان يكون هذا النقد بمعنى التذوق المركب للاشياء فلا يمكن ان نعني به القدح والهجاء او نهدف الى تخريب التجربة برمتها، بل علينا ان نقول عن الحالة ما لها وما عليها بمهنية النقد البناء.

نأتي الى المهم في هذا المقال فمن السذاجة الطفولية ان نصف تلك الأحداث التخريبية التي اندلعت يوم الجمعة المصادف 02 / 12 بأنه تصرف لا مسؤول من (بضعة عيال مراهقين) كلا انه عمل منظم ومقصود، وكان خلط الأوراق بشكل اكثر حينما تعرضت مقرات الحزب الإسلامي الى التخريب والحرائق. إن إرسال رسائل تهديدية بالقتل الى اصحاب محلات المشروب التي دمرت، إن هم اعادوا فتح محلاتهم، ستكون تلك سابقة خطيرة، فهذا يعني الأمعان في روح تحدي للقوانين التي اجازت لهم للعمل في تلك المحلات.

أقول:ـ

إن اقليم كوردستان (دولة) علمانية ديمقراطية فيها مساحة كبيرة من حرية المعتقد والدين اكثر بكثير من من المناطق الأخرى من العراق، وربما اكثر من اكثرية الدول العربية مع بعض الإستثناءات الطفيفة، وإن هذا النهج يقف على رأسه الرئيس مسعود البارزاني، وكان قبله رئيس الوزراء نيجرفان البارزاني، وفي الأنتهاكات الأخيرة للنسيج المجتمعي في اقليم كوردستان كان الرئيس مسعود البارزاني هو الوحيد الذي تصدى له بكل صراحة وكل شجاعة، وقال أنها خطوط حمراء وهو مستعد ان يحمل السلاح، أجل لم نقرأ تصريحاً او بياناً بهذه الصراحة والموضوعية ترتقي الى اهمية الحدث وخطورته. إن حدس الرئيس مسعود البارزاني كان في محله لما تحمله تلك الأنتهاكات للقوانين من خطورة كبيرة على امن الأقليم وعلى مسيرته في الأستقرار التعايش والبناء.

وحينما ذكرت في عنوان المقال ان الأستهداف في المرحلة القادمة سيكون ضد البارزانيين، ليس خيالاً فنحن نعرف ان القيادة البارزانية تقف بحزم وقوة بالضد من اي تطرف ديني او قومي، ويجعلون من الأعتدال نهجاً ثابتاً لأقليم كوردستان، مما جعل من هذا الأقليم مرتكز لجلب الأستثمارات الأجنبية، ولأجل وأد التجربة سيكون التصدي لقيادة البارزاني وللبارزانيين بشكل عام، هذا هو تصوري وأكتبه بكل صراحة.

امام القيادة الكوردية طريق صعب لوضع الأمور في نصابها بشكل سلس ودائم ومستمر بعيداً عن عمليات الترقيع، فيجب وضع برامج طموحة لبناء الأنسان الكوردستاني، وهي عملية شاقة وهي اصعب بكثير من بناء الجسور والمستشفيات والعمارات، فبناء الأنسان تبدأ بعملية تربية وتعليم الطفل منذ نعومة اظفاره، فينبغي وضع كتب وبرامج للدراسة الأبتدائية والثانوية تنمي روح التعايش والتسامح بين الأقوام، ومسح وإزالة تلك المناهج التي تدعو الى الكراهية والضغينة والحقد بين الشعوب، هنا في هذه البلاد يدرسون للاطفال درس اسمه الأديان، وليس الدين، فالطفل يجب ان يتعلم بأن هنالك اديان ومعتقدات مختلفة ولهؤلاء جميعاً حرية العبادة والمعتقد وممارسة الطقوس.

في كتب التاريخ القريب تخبرنا ان الشيخ عبد السلام البارزاني (1876 ـ 1914) كان لا يفرق في احكامه بين مسلم ومسيحي، وكان الى درجة انه لقب بشيخ النصارى لما كان حكمه متسماً بالعدالة بين الجميع، واليوم ارى امامي الرئيس مسعود البارزاني وهو يقوم بنفس الدور المبني على المساواة والعدل، ولهذا سوف نرى انه سيكون في مواجهة عاصفة مع قوى الظلام، التي لا تريد لهذه الأرض الجميلة ان تنعم بالأستقلال والتقدم والمضئ في الركب الحضاري للعالم المتحضر. إن الحرية تعني حرية الجميع بما فيهم الأسلاميون والعلمانيون اي دون حجب الحرية من اي طرف مع التأكيد على كرامة الأنسان.


habeebtomi@yahoo.no
اوسلو في 09 / 12 / 2011

 

العودة للصفحة الرئيسية             العودة لأرشيف الكاتب