البطريرك الكاثوليكي للشعب الكلداني من قلب العاصفة ينادي
 يامهاجرين ارجعوا
د . حبيب تومي

الشعب الكلداني العريق والبطريركية الكاثوليكية الكلدانية كان لهما حضور ناجز في الساحة السياسية العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في اوائل العشرينات من القرن الماضي، وكان موقف البطريرك الكاثوليكي الكلداني مار عمانوئيل الثاني توما (ت 1947) مشهوداً له في دوره الفعال في تأسيس الدولة العراقية الحديثة ومن ثم كان لهما الدور المميز في بناء الدولة العراقية الحديثة، كمواطنين عراقيين مكانتهم المواطنة من الدرجة الأولى من ناحية التمثيل في مجلسي النواب والأعيان وفي التركيب الوزاري الحكومي إضافة الى التعامل المجتمعي المعتدل.

كان للبطريرك الكاثوليكي الكلداني مار عمانوئيل الثاني توما الدور الكبير والحاسم في انهاء الأزمة التي المت بألقوش نتيجة قدوم (لا نقول لجوء لكي لا يزعل المتربصون لاستعمال مصطلح اللاجئين الى القوش) من الأخوة الآثوريين وتطويقها من قبل القوات الحكومية المدعومة من قبل عشائر المنطقة للانقضاض على القوش ومن فيها، فكان وقوف الشعب الكلداني في القوش الى جانب اخوانهم المسيحيين الآثوريين، مع ما رافق ذلك من اتصالات مهمة مع اصحاب الشأن من قبل البطريرك الكاثوليكي الكلداني، فكان حل المشكلة (فايدوس) بالطرق الدبلوماسية السلمية، لقد استمرت البطريكية الكاثوليكية للشعب الكلداني بنهجها المتميز المعتدل هذا في العقود اللاحقة بعد تبدل الأوضاع السياسية وسقوط النظام الملكي وتوالي الأحداث والحروب الداخلية والخارجية التي كان العراق متورطاً فيها.

بعد سقوط النظام في عام 2003 تغيرت الأوضاع بشكل جذري إذ خيمت اجواء الإرهاب والعنف الدموي على الساحة العراقية وكانت النتيجة المنطقية لتلك الأوضاع الهجرة شبه الجماعية من بغداد والمدن العراقية، وكان للكلدان وبقية مسيحيي العراق والمندائيين حصة الأسد من تلك الهجرة قياساً الى حجمهم الديموغرافي الضعيف في المدن العراقية، إضافة الى ذلك فقد تعرض شعبنا الكلداني الى تهميش متعمد في الساحة السياسية والقومية العراقية.

ونعود الى موقف البطريركية الكاثوليكية الكلدانية المتميز رغم كل تلك الظروف، فقد كان الكاردينال البطريرك المستقيل مار عمانوئيل دلي يصرح بأنه آخر مسيحي يترك بغداد. اليوم يجلس سعيداً غبطة البطريرك مار لويس روفائيل ساكو الكلي الطوبى في قلب العاصمة العراقية، مع المطارين والآباء والراهبات والشمامسة ورواد الكنيسة من العلمانيين. ولا ريب ان بغداد تشهد منذ فترة ليست بالقصيرة الكثير من العمليات الإرهابية والعنف الدموي، إن ذلك يتجلى في مدى الأحترازات والأحتياطات الأمنية من قبيل انتشار نقاط التفتيش في المدينة وارتفاع الحواجز والسواتر امام الدوائر الحكومية وقد لاحظنا مثل هذه الأجراءات ونحن نقترب من مقر البطريركية الكاثوليكية الكلدانية في منطقة المنصور ببغداد، وأنا اتذكر حينما كنت اقابل المرحوم البطريرك مار روفائيل بيداويد، في مطاوي التسعينات من القرن الماضي، حيث لم يكن هنالك حارساً واحداً امام البطريركية .

لا ريب ان الأجراءات الأمنية المشددة اليوم هي النتيجة الحتمية للوضع الأمني المتردي في مدينة بغداد .لكن يبدو لأول وهلة ان كل شئ طبيعي وعادي إذ لاحظت امامي انا القادم الى بغداد ومن خلال تجوالي في شوارعها ومراجعتي لبعض دوائرها ومعالمها، بأن الحياة تسير بمجراها الطبيعي لا شئ استثنائي، الوضع طبيعي وهادئ ولم اجد ما يعكر صفو هذا الهدوء لحد الآن، هذا على الأقل إذا ما اهملنا امر الأخبار التي تتسرب عبر الاعلام المرئي والسمعي والمقروء عن العمليات الأرهابية التي تستهدف الأسواق الشعبية ومجالس التعازي للسنة او الشيعة او التي تستهدف المسيحيين وغيرهم، ولكن إذا احجمنا عن سماع تلك الأخبار، وقمنا بجولة في مدينة بغداد العاصمة وشوارعها ومعالمها سوف نجد ان الحياة تسير بمجراها الطبيعي ولا شئ استثنائي في الوضع الأمني، لكن سرعان ما يطفر تساؤل مفاده: إن كان كل شئ طبيعي واعتيادي فلماذا نصبت كل هذه الحواجز والكتل الأسمنتية وعزلت الدوائر الحكومية وغيرها بأسوار عالية؟ ولهذا الكثير من يقول: ان الهدوء هذا مرشح لأن يكون يسبق العاصفة المتوقع وقوعها في اية لحظة.

إن صدى العمليات الأرهابية يتجلى في سلوك ونفسية العوائل التي اخالطها وأعيش في ضيافتها، حيث لا يخرجون من البيت الا من اجل الألتحاق بالعمل او من اجل التسوق، والأطفال حبيسي اسوار البيت او ربما في حديقة البيت فلا مجال للعب امام البيت في الشارع كما يتوق اليه الأطفال، اما الليل فهو طويل وكئيب، وإن طرق احدهم الباب ليلاً فهذا يعني كارثة، فالخوف والهلع يحيط بالعائلة، سمعت لدى حضوري واحدة من التعازي، ان مسلحين استطاعوا دخول البيت بعد ان كسروا (كتيبة = ستار حديدي يحمي الشباك من الخارج) وأدخلوا طفلاً، الذي فتح الباب من الداخل لتجد العائلة نفسها انها تحت تهديد السلاح والمطلوب تفريغ ما عندهم من ذهب ونقود لتسليمها لهؤلاء اللصوص، والسلطات الحكومية ملتهية في حماية نفسها.

أجل انها اجواء ارهابية، وكل يفكر في كيفية الأفلات والتخلص من هذه الحالة التي هي فوق تحمل البشر. بهذه الأجواء المحفوفة بالمخاطر.

من جملة طموحات البطريرك الكاثوليكي للشعب الكلداني وضع حد للهجرة التي تعتبر نزيف خطر يهدد الوجود الكلداني وبقية المسيحيين، وإفراغ العراق منهم بعد ان شكلوا القسم الأصيل من المجتمع العراقي لآلاف السنين.

فلماذا لم يفرغ العراق عبر القرون الماضية رغم وجود مختلف انواع الظلم والتفرقة الدينية؟ الجواب يتلخص في انهم كانوا يتحولون الى الدين الإسلامي للخلاص من تلك التفرقة، وهذا ما يثبته الواقع حيث لم يبقى من المكون المسيحي بعد 14 قرن من الحكم الإسلامي سوى نسبة ضئيلة بعد ان كان العراق دولة مسيحية قبل دخول الإسلام.

السبب الثاني في الهجرة هو وجود دول لها نظرة إنسانية تمنح اللجوء الأنساني للمضظهد في بلده، وفي دول المهجر يحترمون كرامته ويمنح حقوق مساوية لحقوق المواطن في تلك البلدان، وهكذا يخاطر الآلاف من من الشباب معظمهم من الدول الإسلامية ويحاولون الهجرة الى تلك الدول، والمكون المسيحي يأتي في مقدمة من يطلبون اللجوء .

اليوم يطلق البطريرك الكاثوليكي الكلداني نداءة للعودة الى الوطن وادناه نصه:

((يا مهاجرين ارجعوا أليس البلد كالولد.

أرضنا مهدُ الحضارات، عانقتنا وعانقناها

عظيمة قرانا في سهل نينوى والعمادية وزاخو والعقرة، قائمة طويلة

قرانا وبلداتنا ومدنُنا قامةٌ تاريخيّة عظيمةٌ، نتلهف عليها حبًّا وشوقا.ّ.

أنتم مشتون في الأرض (حتى العائلة الواحدة مشتتة) وفي الغربة والاغتراب، ماذا سيبقى منكم بعد 100 سنة أو 200؟ ماذا سيبقى من أسمائكم: إيشو ويلدا وشمعون وسركون وزيا وميخو..؟ ما هي النتيجة؟ النتيجة هي أنكم ستندمجون لا محالة في محيطاتكم وتذوب أسماؤكم وهويتكم وقوميتكم ولغتكم !! معظمكم يعيش الآن على المساعدات ونحن نعيش بعرق جبيننا؟! تتكلمون عن بابل العظيمة وآشور الجبارة؟ وما فائدة الكلام! أليس مجرد شعور؟ صراحة أحياناً كثيرة وجودكم في الخارج يضرنا نحن الصامدين في الداخل.

نحن لن نرحل من هنا، نبقى. صحيح لا نعرف المستقبل، بل نعرف من نحن وما تاريخُنا وهويتُنا ولغتُنا وطقوسنا وتقاليدنا وجيراننا. لذلك نبقى ملتصقين بأرضنا وناسنا وبمبادئنا وحقوقنا.

عودوا يا مهاجرين لكي نقوى ونبقى ونعمل ونتعاون في بناء الحاضر والمستقبل.. لو عدتم لصار لنا شأن ومكانة ودور. عودوا ونستفيد من مهاراتكم.. لو عدتم لغدونا القوميّة الثالثة والديانة الثانية! وإن لم تعودوا فسنبقى أقلية لا شأن لها، لكننا مع هذا نبقى ولن نرحل، نقبل أن نأكل الخبز والبصل من اجل تواصل تراثنا وشهادتنا المسيحية.

"حتى لو غابت عن السماء زرقتها فلا تغلقن النافذة أمام شعاع الأمل"

مع تحياتي الخالصة
البطريرك لويس ساكو")) .

النداء فيه المحبة والطموح والكثير من الأمل لكن من اجل ان نستكمل الصورة من خلال بعض التفاصيل نقول ان الأمال والتمنيات والنيات الصافية والأخلاص كلها لا تشكل ارضية صالحة لاستكمال حل المشكلة العويصة الكامنة في تعقيدات الهجرة .

إن هذه المشكلة اعقد من ان تحل بنداء مهما بلغت اهدافه الإنسانية، إنها مسالة متشعبة ترتكز على عدة ركائز اجتماعية وسياسية ودينية، ومثل هذه المسائل لا تحل بقرارات حكومية او بنداءات ذات توجهات وطنية او إنسانية قد يكون من المنطقي ان تبحث المسألة على مراحل:

المرحلة الأولى: تقضي بتوفير الأجواء والظروف (الأمان، توفير العمل، توفير السكن.. الخ ) التي هي مسببات رئيسية للهجرة، فيصار الى الحد منها كمرحلة اولى.

المرحلة الثانية: إذا لم تنجح المرحلة الأولى، محاولة العمل على جعل الهجرة متوازنة مع الهجرة المعاكسة، اي يكون عدد المهاجرين مساوياً او قريباً من عدد العائدين.

المرحلة الثالثة: تفرضها ظروف العراق، إن توفر الأمن والأمان والظروف الطبيعية للمعيشة مع توجهات لخلق دولة علمانية ديمقراطية، يتساوى فيها جميع المواطنين وتنتهي عقلية اهل الذمة .

ثمة اعداد كبيرة من الأكراد عادوا من دول المهجر الى كوردستان بسبب ظروف الأمان والأستقرار وتوفر فرص العمل، فيمكن الزعم بوجود هجرة معاكسة لدى الأكراد، ولا تتوفر مثل تلك الظروف للكلدان ولبقية مسيحيي العراق .

رغم الأهداف النبيلة للنداء سيبقى حبيس الإعلام إذا لم يقترن بدراسات معمقة وجادة مع اصحاب صنع القرار في الحكومة الأتحاية وفي اقليم كوردستان .

 

د. حبيب تومي
القوش في 16 ـ 10 ـ 2013

العودة للصفحة الرئيسية        العودة لأرشيف الكاتب