النجيفي ومستقبل الموصل والبيشمركة ومحافظة القوش او
د . حبيب تومي

استهل مقالي هذا بتفسير مصطلح محافظة القوش او .. للقارئ الكريم والذي اوردته في عنوان المقال ، وقبل ان يجري تأويله لغير المسار الذي ارمي اليه ، وقد استخدمت محافظة القوش بدلاً من مصطلح المحافظة (المسيحية) الذي يجري تداوله بشكل تعسفي بعيد عن ارض الواقع ، وعما يصبو اليه معنى المحافظة لهذا المكون ( المسيحي ) المستضعف الذي تعرض لغير قليل من الظلم والعنف الدموي والتهجير ، فأيد كل من له ضمير بأن يمنح هذا المكون ( المسيحي من الكلدان والسريان والآشوريين ) ، في مناطق تواجده شكل من اشكال الحكم الذاتي والذي جرى تداوله في وسائل الأعلام وترجم الى محافظة مسيحية .

إن هذا المصطلح انتشر إعلامياً كصدى لما يردده السادة المسؤولون وفي مقدمتهم السيد رئيس الجمهورية الأستاذ جلال الطالباني ، وفي الحقيقة نحن ، ذاتياً ، نتحمل ليس قليل من المسؤولية في ترويج لفظة ( المسيحيين ) ، حينما همشنا تسمياتنا القومية الجميلة كلدان وسريان وآشوريين وكما ورثناها من آبائنا وأجدادنا ومن تراثنا عبر التاريخ ، وقد جرى تشويه مجحف لهذه التسميات التاريخية الجميلة وبقرارات سياسية من الأحزاب القومية الآشورية التي باتت متنفذة في الساحة السياسية العراقية بعد نيسان 2003 م .

إذ تم دمج تلك الأسماء الجميلة بشكل تعسفي مشوه لا يمت الى الواقع الأثنوغرافي لشعوب العالم قاطبة بأية صلة ، وهكذا جرى تداول اسم المسيحيين او ( إخواننا المسيحيين ) بدل الأسم القومي تحت الضغط السياسي للأحزاب الآشورية الشقيقة التي تمسك اليوم بزمام الثروة والأعلام والنفوذ ، ومن المؤسف ان يتخذ هؤلاء الأشقاء هذا الموقف الغريب فيبدو ان ما يؤرقهم هو اسم القومية الكلدانية تحت طائلة اسباب مذهبية بحتة قد مضى زمنها حيث إننا نعيش في العشرية الأولى من الألفية الثالثة وحيث تسود مبادئ حقوق الأنسان وحريته في المعتقد والأنتماء بمنأى عن وصاية الآخرين .

وهكذا اقترحت اطلاق مصطلح محافظة القوش وليكن محافظة تللسقف او باطنايا او تلكيف او بغديدا او كرملش .. او اي اسم آخر من اسماء بلداتنا التاريخية بدلاً من اسم المحافظة المسيحية ، لأن الأسم يدل على الدين فسيكون هنالك محافظة ايزيدية ومحافظة شبكية وأخرى إسلامية ، وهذه حالة غير مستحبة وغير مقبولة من اي شريحة من شرائح المجتمع في منطقة سهل نينوى .

الأن نأتي الى الشق الآخر من المقال وهو العلاقات المتأزمة بين العرب والأكراد وبشكل ادق بين قائمة نينوى المتآخية الكردية وبين قائمة الحدباء العربية التي يرأسها الأستاذ اثيل النجيفي ، ومن أخبار الصحف نقع على معادلة مستعصية على الحل وهي كالآتي : ان عرب الموصل يقولون :
لا تفاهم مع الأكراد من دون خروج قوات البيشمركة . وقوات البيشمركة تقول لا خروج من دون تحسين الوضع الأمني ، حيث أكد قادة في قائمة الحدباء العربية التي يترأسها محافظ نينوى أثيل النجيفي أنه من دون خروج البيشمركة وقوات الأمن الكردية من حدود محافظة الموصل لا عودة لممثلي الأكراد الى مجلس إدارة المحافظة». وأشار عبد الرحيم الشمري المشرف على ملف محادثات الحدباء مع قائمة نينوى الكردية المتآخية إلى « أن هذا الشرط لا تراجع عنه تحت أي ظرف كان .

وردا على تصريحات قادة الحدباء أكد القيادي هريم كمال أغا مسؤول المكتب التنظيمي لحزب الإتحاد الوطني في الموصل لـ«الشرق الأوسط» أن الوضع الأمني في المحافظة «يسير من سيئ الى أسوأ، وأن وجود قوات البيشمركة داخل حدود الموصل وخصوصا في المناطق الكردية هو لضمان الوضع الأمني في تلك المناطق التي تشهد تحسنا ملموسا من الناحية الأمنية بسبب سيطرة قوات البيشمركة على الوضع الأمني هناك، لذلك فإن أي خروج لقوات البيشمركة من تلك المناطق سيعرضها الى مخاطر جسيمة ..

إنها معادلة عسيرة على التحقيق لا سيما في ضوء انعدام الثقة بين الطرفين ، ولكن إذا انطلقنا من مساحة الحياد فإننا نتساءل :
الى ماذا كان سيؤول الوضع في المنطقة لولا قوات البيشمركة التي تسيطر على الطرق في هذه المنطقة ؟ إن كانت قوات الحكومة المحلية في الموصل وقوات الجيش العراقي المتواجد فيها غير قادرين تحقيق الأمن والأستقرار داخل مدينة الموصل نفسها ، فكيف سيكون بمقدور هذه القوات تأمين الطريق الخارجية ؟

من الواقع الحاصل على الأرض تنجلي صورة مفادها ان البيشمركة الذين لهم الباع الطويل في تأمين الأمن والأستقرار في ربوع اقليم كوردستان وهذه المناطق هم الذين يؤمنون السير الأمين على هذه الطرق وتجعل المدن والقرى المحيطة بالموصل في مأمن من العمليات الأنتقامية .

ونأتي الى النقطة التي يرفض فيها الأستاذ اثيل النجيفي محافظ الموصل فكرة إقامة محافظة مسيحية بمنطقة سهل نينوى، مشيرا إلى أن التصريحات الداعية لذلك ستضر بالمجتمع المسيحي وتعزله عن باقي العراقيين.

لا ادري لماذا ينظر الى المسالة بمنظار الأنتماء الديني وليس الوطني ؟

ولماذا يجري تموضع المشروع في الأطار الطائفي دون غيره ؟

الأفتراضات المطروحة أن يعمل على عزل المسيحيين بين اسوار المحافظة ، فتغدو منطقتهم هدف مكشوف يسهل استهدافه ، وآخرين يقولون سيحصرون انفسهم في غيتو وينعزلون عن المكونات العراقية الأخرى ، وهذه كلها افتراضات غير واقعية ، فالمسألة تتعلق بمكون عراقي تعرض للتطهير العرقي بسبب هويته الدينية ، ويجري اليوم منحه في جزء من وطنه ملاذ آمن متمتع بشئ من الأستقلالية والأدارة الذاتية ، اليست هناك على ارض الواقع محافظات للاكراد وأخرى للشيعة وثالثة للسنة ، مع وجود خليط من المكونات الأخرى في هذه المحافظات ؟

فلماذا لا تكون ثمة محافظة للكلدانيين وبقية المسيحيين على بقعة من ارض العراق ؟ وليكن هذا الجزء سهل نينوى ، والاسم الأفتراضي يكون للمحافظة مطروح اسم محافظة القوش او اي مدينة أخرى كما سبقت الإشارة الى ذلك بدلاً من المحافظة المسيحية . ألا يعترف الجميع بأننا اصحاب الأرض الأصليين ؟

فلماذا لا يكون لنا موطئ قدم في هذه الأرض ؟

ينبغي دراسة المسالة إن كانت هذه المحافظة على اساس ديموغرافي او على اساس جغرافي وهو المرجح . فأين تكمن الأشكالية إن كان ثمة نيات صافية وصادقة للتعامل الندي المتكافئ ، وتوفر الثقة المتبادلة بين الأطراف المتنفذة في المنطقة؟

محافظ الموصل ينبغي ان لا يكون طرفاً في وضع العراقيل امام المشروع ، إذ ان المشروع لا يشكل اي تهديد لمحافظة الموصل ، وينبغي ان يعترف السيد المحافظ بما هو حاصل على الأرض وعلى ما طرأ على الساحة السياسية العراقية برمتها من مستجدات ، وينبغي الإقرار بواقع مفاده ان زمن الدولة العراقية الشديدة المركزية قد ولّى زمانه ولا عودة الى المركز القوي المستبد الذي يحل ويربط كل صغيرة وكبيرة ، فقد تركزت اقدام اللامركزية ولا عودة للمركزية في الدولة العراقية الى ما كانت عليه قبل عام 2003 م .

مع اللامركزية الحاصلة يتعين على السيد المحافظ ان يقر بأن مستقبل الموصل مرتبط مع جيرانها الأزليين ، إن مستقبلها مع الأكراد ومع المكونات الدينية والقومية الأخرى ، اي مع الواقع الجيوسياسي في المنطقة . ومن هذا الواقع عليه ان يرتب الأمور مع هؤلاء الجيران على اسس مبنية على التعاون والثقة المتبادلة ، إن محافظة ( القوش) سوف لا تشكل خنجراً في خاصرة اهل الموصل او الأكراد ، إنها ارض التعايش والوئام والتنمية في المنطقة ، إضافة الى كونها معادلة إنسانية وطنية عراقية لأنصاف هذا المكون العراقي الأصيل .

حبيب تومي
اوسلو
habeebtomi@yahoo.no
2011 / 02 / 18

العودة للصفحة الرئيسية             العودة لأرشيف الكاتب