الأب يوحنان جولاغ فارس القوشي في رحاب الأدب والتراث .. (1 ـ 2 )ا
د . حبيب تومي

القسم الأول  

اتصور ( ابلحد بنو او عبدالأحد بنيامين ) وهو الأب المرحوم يوحنا جولاغ ، فارساً يمتطي صهوة جواده وهو يصول ويجول في مروج الأدب والتراث والتاريخ واللغة ، وهو المجرب العارف بأسرار الدروب والمنعطفات والشعاب .

 ظمأوه لا يرتوي فينهل من سحيق تراث آبائه وأجداده ، وهو يسبر غورها بمعوله دون كلل او ملل ، كانت الأصداء المرددة لشامخات قمم جبل القوش ووهاده وكهوفه ، وصخوره الشماء ، وديره العتيد دير الربان هرمز ، كانت هذه الأصداء تسحره وتلهمه ليشدو منتشياً مستلهماً مع

                                

الأب يوحنان جولاغ ( 8 /12 / 1935 ــ 4 / 7 / 2006 )  الطبيعة مع زهور الربيع مع شقائق النعمان ، مع الفراشات الزاهية ، مع النسيم المداعب لسنابل الحنطة في مروج القوش ومع ترانيم الطبيعة والبلابل والعصافير التي تصدح بأعذب الألحان متراقصة  بخفة وطرب في الصباحات المشرقة على الديرالعالي ( ديرا علايا ) وعلى السفوح والروابي ، مع الراعي وهو يسرح مع أغنامه ويعزف على الناي أعذب الألحان ، مع هذه الأغنية الخالدة ...  تتوطد الوشائج الحميمة بين  ( الأنسان ) وهو ، الأب يوحنان ، وبين ( الأرض ) وهي ، القوش ، وكنائسها ومعالمها ودروبها الضيقة ، ومع ضربات  ناقوسها ، وصدى
السنين في عمق وديانها ، ووهادها وسمو ذرى جبلها ، والبسمة في محيا شبيبتها وشيوخها وأطفالها .. وأديرتها ومزاراتها .. وتمتد رابطة الألفة
والمحبة بين الأب يوحنان جولاغ وبين الناس خارج تراب القوش ليغدو صديقاً حميماً لكل الناس للصغير كما الكبير ، في مدننا وقرانا ، بل صديقاً اليفاً لكل انسان عراقي .

                                                                            الأب يوحنان وقصته مع الأرض الطيبة

إن الحديث عن الأب يوحنان جولاغ ذو فروع وأغصان  وشجون ولكن نقترح بدايتها في عشية الخمسينات من القرن الماضي .

السحب الماطرة اختفت من السماء ، ومع شحة الأمطار امحلت الأرض ، ونشفت الينابيع في اعماق الآبار .. القوش ظامئة ، وأهالي القوش ينظفون الآبار ويتعقبون الينابيع الضئيلة لتنظيفها وتوسيعها ، والشاب ابلحد جولاغ ( فيما بعد القس يوحنان ) يضع المعول على كتفه ويتوجه الى عين السقّا ( أيند سقّا ) ، او ( أيند دمحلّ دبي مزغلا ) ، والموضع عبارة عن ساقية  صغيرة يجري فيها الماء من ينبوع بالقرب من ( بستان بيت ملوكا ) المعروف ، والتقليد يشير الى ان هذا الينبوع كان مصدراً مائياً مهما لألقوش فيما مضى من الزمان ، وإن الحفر لمتابعة المصدر يؤدي الى زيادة كمية المياه المتدفقة ، وهكذا كان الشاب ابلحد جولاغ يحفر بهمة عالية . وعندما تنعقد قطرات العرق على جبينه يمسحه بكم قميصه الأيمن ، ثم لا يلبث بعد دقائق فيضطر الى مسحه بكم قميصه الأيسر ، وهو منهمك يواصل عمله في حفر وتنظيف المجرى المائي ، ويغمره الأمل ان يتدفق الماء بعد كل ضربة من معوله .

وعندما سردت له في آخر لقائي معه هذا الموقف وعن ذكريات الطفولة ، قال لي : وأنا ايضاً أذكر لك بعض الأشياء ربما تتذكرها ، ويضيف :

 في مغارة عاصية  حيث ينبغي على المرء للوصول اليها  ان يتسلق نفقاً  عمودياً ،  يبدأ في مغارة سفلى مخترقاً سقفها لبلوغ ارضية المغارة العليا ، في هذه المغارة  قرأت اسمك حبيب تومي مع تاريخ الكتابة  تحت عبارة تقول : ( الوحدة قادتني الى هذا الغار العاصي على البشر ) . ويقول الأب يوسف حبي عن هذه المغاور : إنها معلقة بصخور شاهقة ، تشبه الى حد بعيد اعشاش النسور . يصعد اليها المتمرس في تسلق الجبال فيلقى ذاته معلقاً بين السماء والأرض على علو مئات الأمتار ...      لقد أجرى الأب يوحنان احصائية لكهوف الدير وقام بحفريات في دير الربان هرمز ، وأراد الأطلاع على التواريخ والكتابات المحفورة او المكتوبة على جدران القلايات المنتشرة في وهدة الدير ، وسنتطرق على هذا النشاط  في مجريات هذا المقال   .

                                                                               ولكن ماذا عن القس يوحنان ؟

هو أبلحد برد بنو ( بنيامين ) جولاغ ، وأمه شَكري بنت جرجيس ياقي ، عمذ يوم 8/ 12 / 1935 ، ورحل الى الدار الأبدية يوم 4 / 7 / 2006 م .

 انهى دراسته الأبتدائية في مدرسة القو ش ، ولم تتوفر حينذاك مدرسة متوسطة في القوش وبدلاً من ذلك دخل معهد شمعون الصفا الكهنوتي في مدينة الموصل وكان ذلك عام 1951 م ، لكن في سنة 1957 اختير لبعثة دراسية الى فرنسا ليكمل دراسته في معهد ( سان سولبيس ) بباريس ، إلا انه في نهاية السنة الدراسية يقرر العودة الى الوطن وإكمال دراسته فيه . وفعلاً غادر فرنسا ووصل الى العراق بنفس التاريخ الذي غادر فيه العراق قبل سنة . وسوف يواصل دراسته في الموصل وسيرتسم كاهناً يوم 9 / 6 / 1961 على يد البطريرك مار بولص شيخو . وهنا يشمر الأب يوحنان جولاغ عن ساعديه ليبدأ المشوار الطويل ماسكاً قلمه بيد ، وباليد الأخرى معوله .

في منعطفات نهير بيندوايا ينساب الماء برشاقة ويصدر خريراً لذيذاً يطرب اسماعنا ، ومثل انسياب هذا النهير ، كانت الألحان والترانيم تنساب بعفوية من حنجرة الأب يوحنان ، وبصوته الرخيم  لتجد لها مستقراً دافئاً في قلوبنا لتبقى جذوراً مغروسة هناك ابد الدهر .

يباشر الأب يوحنان عمله بصفة معلم في المعهد الكهنوتي في بغداد ولمدة سنة واحدة وبعدها أي في سنة 1962 يعين الأب يوحنان كاهناً في مسقط رأسه القوش .

 ويفيدنا الأستاذ بنيامين حداد في كتابه : سفر القوش الثقافي عن الأب يوحنان جولاغ فيقول : انه عمل محاضراً للتعليم المسيحي في مدرسة القوش الأولى للبنين للسنوات 1963 ـ 1965 . كما اشترك في الدورات الصيفية لتعليم اللغة السريانية والتعليم المسيحي 1962 ـ 1972 . وفي 25 آب ينتقل للخدمة الكهنوتية في كنيسة مار اشعيا في الموصل ومكث فيها الى يوم رحيله الى الدار الأبدية .

 من اشهر اعماله الشعرية قصة جنفياف بواقع 517 مربعاً بالوزن السباعي وقصة يزداندوخت  الشريفة الأربيلية بواقع 1070 مربعاً بالوزن السباعي وهي مستوحاة من نصها العربي للمطران يوسف الصائغ الصادرة عام 1934 ، ووضع لحناً لقصة يوسف الصديق ( يوسب مصرايا ) والتي نظمها اسطيفان رئيس . ونظم قصيدة حزينة لمناسبة حادث غرق مجموعة من شباب القوش في بحيرة الثرثار ،  لقد وضع الحاناً شجية لهذه القصائد فأصبحت قصائد مغناة في اشرطة التسجيل ، يتداولها الناس في بيوتهم وفي مناسباتهم الأجتماعية وطبقت شهرتها الأفاق . وله قصائد أخرى في مختلف المواضيع الأجتماعية والثقافية  والدينية .

من ناحية اهتمامه بالجانب الأجتماعي فقد عكف على كتابة بعض المسرحيات التي تتناول نقد حالات اجتماعية سائدة بالأضافة الى إخراج المسرحية ، ومنها  مسرحية الغرسة النامية ( شتلا بقياما ) وفكرتها تدور حول الأبن الضال الذي يفقد مسيرته الصحيحة ثم يعود الى جادة الصواب ومثل الأبن الأستاذ نوئيل عوديش وقام بدور الأب الأستاذ نوئيل قيا بلو وعرضت المسرحية عام 1973 .

 المسرحية الأجتماعية الأخرى كانت تحت عنوان مهر العروس ( نقدي دكالو ) ، وعالجت المسرحية مصاعب الزواج بسبب المهور والتي كان يتبارى الألاقشة بدفع اعلى المهور ، وكان ذلك يشكل عبئاً ثقيلاً على المتزوجين حديثاً ، وقد حسمت هذه المسألة في حينها فقد حددت الكنيسة الحد الأعلى للمهر بـ ( 150 ) ديناراً فقط . وله ايضاً مسرحية رابي عوديشو ، التي مثل فيها المرحوم الشماس أيليا سكماني ، كما كتب المسرحية الأجتماعية ( بختا جرتا ) المرأة ( الزعلانة ) وغيرها من المسرحيات .

أهتم المرحوم الأب يوحنان جولاغ بالترجمة فترجم الى الكلدانية الدارجة ( السورث ) ، حيث ترجم رسائل بولس الطقسية والقداس الكلداني الى السريانية المحكية ثم الى العربية ، وكذلك  مزامير داود ، وطقس الزواج والمعمودية والدفنة ، وتراتيل طقسية كلدانية تعد بالمئات ترجمها الى السريانية الدارجة والى العربية ، لقد ترجم كتاب تاريخ يوسف بوسنايا الى اللغة العربية وطبعه سنة 1984 في بغداد وترجم ايضاً من الفرنسية الى العربية منها :  الآباء المخلصيون ويسوع المسيح في انجيل لوقا ، وأنجيل القديس متي وغيرها ( للمزيد راجع حداد ، بنيامين : سفر القوش الثقافي ص 246 ـ 247 ) .

                                                             الأب جولاغ والمواقع الأثرية  البداية في دير الربان هرمزد

لقد بدأ الأب يوحنان جولاغ بالأشتراك مع الأب ( ثم المطران ) يوسف توماس بالكشف الموضعي على الصوامع القديمة في وهدة دير الربان هرمزد وتبين لهما ان معظم هذه الصوامع قد تهدم وطمرتها الأتربة والصخور بفعل الأمطار والزلازل والعوارض الطبيعية ، وتوصلا ايضاً الى ان سكن الرهبان في عهد الربان هرمزد وبعده بسنين عديدة كان في الجهة الشرقية من وهدة الدير ، ثم امتد هذا الأستيطان الى معظم انحاء الوادي العريض لتبدو صوامع الرهبان للقادم من بعيد وكأنها قفير نحل مبثوثة في ثنايا وصخور هذا الوادي الشديد الأنحدار  ، وكانت نتائج الكشف تشير الى إن عدد هذه الصوامع يربو على الثلاثمائة .                                    

                                          

 

                                                                        نتائج التنقيب في ضريح الربان هرمز

 الآثار هي البراهين الشاخصة لانجلاء ركام الأسرار عن الماضي ، وهكذا عكف الأب المرحوم يوحنان جولاغ الى بلوغ المرام بإجراء التنقيب في الدير في صيف عام 1973 وهو يورد لنا ما توصل اليه في هذا الموضع ( ضريح الربان هرمزد ) إذ يقول :

الى يسار ضريح الأب دنبو باب مرتفع عن أرضية الهيكل بدرجة واحدة ، عرضها 70 سم بارتفاع 180 سم ينفتح على دهليز قليل الضوء مستطيل الشكل شرقاً وغرباً طوله 80 , 7  متر وعرضه 90 , 1 متر ينتصفه شمالاً ضريح الربان هرمزد . ويضيف :  لقد قمت في صيف عام 1973 بالكشف عن محتوى هذا الضريح وحدي ـ بعد سماح من رئاسة الدير ـ فوجدت هيكلاً عظمياً كاملاً مغطي بطبقة من تراب رمادي اللون . والضريح بناء صغير بشكل مذبح مائل الى الأسفل ، مكون من حجارة منقوشة ولون بعدة ألوان ، وفوق قوس حجري مزين بكتابة كلدانية تقول : هنا يرقد أبونا الجليل ، نور المشرق الساطع ، ربان هرمزد المظفر ، في القرن السابع للمسيح .

حبيب تومي / اوسلو

يليه القسم الثاني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 المصادر

1 ـ بنيامين حداد : سفر القوش الثقافي ، مراجعة عمانوئيل شكوانا ، مطبعة المشرق 2001 بغداد

2 ـ مسودة مقال : دير الربان هرمزد في جبل القوش : القس يوحنان جولاغ .

3 ـ الأب الدكتور  يوسف حبي : دير الربان هرمزد ، بغداد 1977

4 ـ نوئيل قيا بلو : مار ميخا النوهدري ومدرسته ، مراجعة بنيامين حداد ، بغداد  1988

5 ـ حبيب تومي : القوش دراسة انثروبولوجية اجتماعية ثقافية ، راجعه بنيامين حداد وعمانوئيل شكوانا ، بغداد 2003

6 ـ الأب الدكتور يوسف حبي : دير مار ميخائيل ، بغداد 1991

7 ـ تاريخ يوسف بوسنايا : يوحنا بن كلدون ترجمة وتعليق القس يوحنان جولاغ ، بغداد 1984

8 ـ الأستاذ صباح جولاغ في فرنسا

القسم الثاني

في القسم الثاني من هذا المقال نواصل المشوار مع الأنسان المبدع وهو يزرع شجرة الأمل والفرح في غابة الخوف والياس ، ويغرس بذرة المحبة والأيمان والتسامح في صحراء الحقد والكراهية ، إنه المزارع الذي يشتل البراعم المباركة ، وهو لا ينتظر ثمارها ، إنه صاحب الصوت الرخيم بترانيمه ، إنه الصوت الذي يشنف الأذن التي أرهفت السمع لاستقباله .   

                                                                                    القوس والنشاب

حينما نتناول أطراف الحديث يكون قد سحب وتر قوسه على آخره وسهمه جاهر للرمي كلما لفظت كلمة بالعربية لها مرادفة بالكلدانية ، وأثناء الحديث أقول : 25 آب سأسافر ، فينطلق سهمه ليصحح لي ، قل : ( خمشو أسري بطبّاخ ) ، وإن قلت ونحن نتكلم الكلداني : صممت على النجاح يوقفني حالاً .. قل : ( دريلي قم نيتي تد نجحن ) ، وهكذا كان يقظاً لرمي سهمه كلما لفظت بكلمة عربية .

لقد أهدى لي كتاب ليوحنا بن كلدون الموسوم : تاريخ يوسف بوسنايا ،وكان هو الذي  ترجمه وعلق عليه ، وهو عن يوسف بوسنايا الراهب في دير الربان هرمزد في القرن العاشر الميلادي . وحينما التقينا قال لي هل قرأت الكتاب ؟ أم حفظته فوق الرفوف العالية ؟ فقلت إن الكتاب الذي يصلني لا يصمد امامي ، فأنا شخصياً ضد الأدمان إن كان على الكحول او على التدخين أو أي نوع من الأدمان ، ولكني لا أنكر بأنني مدمن بنهم على القراءة  .    

وكان سؤاله : حسناً ما هي قراءتك لكتاب تاريخ يوسف بوسنايا ؟

                                 

( الصورة أواخر عام 2003 في ـ حَويش ـ فناء بيت الأب يوحنان في الموصل  : الأب يوحنان جولاغ في الوسط  ، من اليسار أندراوس جولاغ ، من اليمين حبيب تومي )

فقلت له : بالأضافة الى أمور أخرى ، فقد قرأت فيه الأيمان النادر النقي الطاهر ، فقال أهذا انطباعك عن الراهب يوسف بوسنايا ؟

فقلت : كلا إن هذا الأيمان قرأته في سيرة والديه لا سيما في أبيه ( يقيرا ) أي كريم .

 ولنقرأ قليلاً  عن هذا الرجل وهو من قرية بوزان الحالية ، لقد كان يقيرا مع زوجته دأبهما محبة المساكين والترويح عن المتضايقين بكل مخافة الله التامة . وكانا يقومان بجميع حاجات الكنيسة في قريتهما كالقمح وزيت القناديل وغيرهما .

لقد كان يقيرا يعد الحنطة الخاصة لخبز القربان المقدس لسنة كاملة ، فيفركها بيديه وينظفها وهو يحرص لئلا يؤخذ لخبز القربان من الحنطة التي تدوسها الدواب ، ويوم طحن الحنطة في الرحى يرافقه ابنه يوسف بوسنايا ( الراهب فيما بعد ) ، ويأمره بتلاوة المزامير حال خروجهما من البيت ولا ينقطعان عن التلاوة طول الطريق وأثناء طحن الحنطة في الرحى يسكب الحنطة بيديه في الدلو ويستمر ابنه في قراءة المزامير طالما استمر طحن الحنطة ، ويقوم هو بجمع الدقيق دون أن يسمح لأحد بالدنو منه ، وبعد تعبئته في الجوالق كانا يرجعان الى البيت بتلاوة المزامير ايضاً ، يا لحرص هذا البار والصدّيق ، وعنايته باحترام الأسرار المقدسة ...

                                                                     العودة الى التنقيبات في القوش

 إن طائر السنونو يبني عشه في القوش في فترة الصيف ، ويحثه حنينه للعودة في الربيع الى نفس العش الذي ترعرع فيه . هكذا كان حنين الأب يوحنان جولاغ الى القوش ، إذ بالرغم من استقراره في الموصل فكان يعاود السفر الى القوش ، وفي هذا المرة كان التنقيب في هيكل ومدرسة مار ميخا النوهدري .

في هذا الموقع نستفيد من الأستاذ نوئيل قيا بلو في مؤلفه عن مار ميخا ومدرسته حيث جاء فيه : انه بتاريخ 30 / 9 / 1987 وبأشراف الأب يوحنان جولاغ بوشر في اعمال التنقيب والبحث عن عظام مار ميخا ، وناحوم النبي ، وقد تحمس لهذا العمل نخبة خيّرة من الشباب الغيور في القوش.. يرشدهم ويوجههم الأب جولاغ ، وأبتدأ العمل بقبر مارميخا .

على يسار باب المذبح مشكاة زينت بنقوش نباتية ملونة ويقول نوئيل بلو : اسفلها كتابة منحوتة في الحجر باللغـــة الكلدانيــــــــــــــــة تقول : هنا قبر مار ميخا القديس

 

 

 

 وبعد الحفر والتنقيب عثر على صندوق حجري ذو غطاء محكم ، وعلى الغطاء طبقة شمعية إمعاناً في السد والأحكام .. وكانت أبعاد الصندوق الطول 57 سم والعرض 33 سم والأرتفاع 25 سم . وبعد رفع الغطاء عن الصندوق وجدت عليه كتابة من الداخل باللغة الكلدانيـة وبالخط الأسطرنجيلي

تشير الى ذخيرة عظام مار ميخا القديس

وبداخل الصندوق حفظت العظام التي تعود للقديس مار ميخا والتي بقيت  محفوظة زهاء خمسة عشر قرناً من الزمن ولتروي قصة الأنسان القديس الذي عاش في القوش  ودفن فيها .

 الموضع الآخر الذي طاله معول الأب جولاغ هو في هيكل ما ميخا ايضاً ولكن هذه المرة تناول رفاة النبي ناحوم الألقوشي والذي نقلت رفاته مؤخراً الى هيكل مار ميخا . ولقد ظهر بعد حفر الجدار صندوق حجري أبعاده : 55 في 33 في 20 سم وعلى الصندوق غطاء من المرمر وعند رفع الغطاء من الداخل يقول الأستاذ نوئيل قيا بلو : تظهر كتابة كلدانيـــة نصفها بالخط الأسطرنجيلي ونصفها بالخط الشرقي وهذا نصها :

 

وفي داخل الصندوق وجدت عظام وتراب والعظام قديمة جداً ومتفتتة ، وهي تروي لنا قصة ذلك الرجل الذي عاش على هذه البقعة قبل حوالي  2700  سنة .

                                                                               وفي الموصل أيضاً

في إحدى زياراتي له قال لي سأريك أماكن تثير إعجابك ، فأخذني الى كنيسته القديمة كنيسة مار أشعيا ، وقال أنها بنيت من القرون المبكرة للمسيحية وإن هيكلها الواسع يرتكز على أعمدة جبارة وهي تحتفظ  بمعالمها العمرانية الى يومنا هذا ، ويسألني أتدري لماذا صمد بنيان هذه الكنيسة كل هذه القرون ؟

فقلت لماذا ؟ قال :

                                                                      لأنها على اسس راسخة بُنيت !!

كان الأب يوحنان جولاغ قد تنسم عبير كَلي دير الربان هرمزد وخبر الدروب ومسالك المغاور وعشق عبق التاريخ واللغة والتراث ، وهنا في الموصل واصل حبه المتأصل في عمق كيانه ،       

وفي هذه المرة أخذني خارج الموصل الى منطقة تعرف بـ ( حاوي الكنيسة او الجنيسة  Chaneesa) ، وهناك على رابية مشرفة على نهر دجلة حيث ينتصب بناء شامخ  لدير مار ميخائيل من العصور الخالية وهو يتحدى عوائد الدهر وصروف الزمن .

                                                                          دير القديس ميخائيل رفيق الملائكة

يقول الأب يوسف حبي عن التنقيبات التي اجراها الأب يوحنان جولاغ في دير مار ميخائيل :

يقع ضريح مار ميخائيل في وسط الجدار الجنوبي للكنيسة ... وقد ظهر يوم كشفها في 6 / 6 / 1980هيكل عظمي كامل ... وكان الرأس باتجاه المشرق والضريح كله مبني بالمرمر والجص ... وقد استخرج الأب يوحنان جولاغ الرفات من التراب ووضعه في صندوق من الألومنيوم ...

 أبقاه معروضاً مدة سنة ثم ووري في التراب ، ويشير الأب حبي على كل الأعمال التي قام بها الأب جولاغ في هذا الدير العتيد ( للمزيد راجع د . يوسف حبي : دير مار ميخائيل ص23 وما يليها ) .

                                                                                      والمقام

في أحدى الأمسيات في بيتهم التراثي في الموصل تطرق بالحديث الى الكتاب الذي اهديته له وهو عن القوش ، وعن الحديث عن دير الربان هرمزد في هذا الكتاب اوردت بعض المقاطع عن المقام الذي سطره عن الدير وأردت إثارته لكي يتسنى لي سماع صوته فقلت : كيف نعرف بأنه مقام ونحن قرأناه كتابة ولم نسمعه لحناً ؟

وهنا فتح الكتاب وأخذ يصدح بصوته الشجي الرخيم وبلحن المقام العراقي الأصيل :

يا دير ، يا مرتع الأرواح تجذبها الآزالُ

يا منسـكاً خاشـعاً تعانقـه الجبال

يا شيخ الدهور سلفت في حناياه رجال

ما الحال ، ما الآجال ، والدنيا حلّّ وترحال ؟

... هذا الشموخ من واديك صوب العلى

... بطولات وعبر تخلدها الأجيال

... يا دير ، يا مثوى السكينة تشقها شوقاً الذرى تسابيح وأقوال

.. صخورك الصماء خاشعة ناطقة بخير ما قاله الحكماء العقّال

.. يا دير تبقى منبع الحب والإخاء ما دام الزمان وما الناس دالوا

لقد أدهشني إداؤه لهذا اللحن بصوته حقاً إنه يسحر سامعه ، ولا يملك السامع إلا ان يواصل الأنصات وفي النفس مساحة كبيرة من الأعجاب . لقد تذكرت قول المطران اسحق ساكا حين زرته في الموصل وكنت برفقة الأخ أندراوس جولاغ ، وحينما جرى الحديث عن القس يوحنان جولاغ قال : علينا أن نقول البلبل يوحنان جولاغ ، فحينما يقيم القداس او يخدم فيه ينبعث صوته الملائكي فيملأ فضاء الهيكل .. ...

                                                                                  ثِمار القلب

 شذرات مختصرة جداً لما أجادت به قريحة الأب المرحوم يوحنان جولاغ وسأحاول قدر الأمكان ترجمة هذه المقاطع بتصرف للحفاظ على المعنى .  لقد كان الأخ صباح جولاغ من فرنسا مصدرها.

ــ مزمورا دخُشكا وبيرا : مزمور النور والظلام

ناشا مر هونا مسقلا بيلبانا      : الأنسان العاقل مزهو بعلمه

وأديو بأث زونا مسكوري هونا : واليوم في هذا الزمن يفقد العقل ( التعقل )

خشكا وطعيوثا وبيرا دحقّوثا    :  الظلام والضَّلال والنور والحق

كويلي بغذاذي بأث برناشوثا    : اختلطوا معاً في هذا الزمن

ــ وله ايضاً قصيدة بعنوان : ( قليثا سبقتا ) القلاية الخالية من الساكنين .  وهو يتأسف لخلو الدير الفوقاني من الرهبان .

خّازنّا شتقتا قليثا شوقتا مربّاني سبقتا : الصمت يخيم على القلاية بعد ان هجرها الرهبان

مخقنّا خروتا شمأح مدختا لخشكا أيتوتا : كالعش المهجور الغارق في الظلام

صــــورتـاح مرتّا أريثاح غــذا صفنتـــا  : صورتها حزينة غارقة في الهموم

ــ القوشنايا بغربوثا : القوشي في الغربة

القوش يمّي شمّح أمّي طبيا لكمّي     : القوش إنها امي واسمها لا يفارقني

بيهرا دأيني بهرا دهوني كثيوا بدمّي : إنها نور عيني وملهمة أبداعي  

مصلي خلياح كويلا بدمّاح شمّي شمّاح : رضعت حليبها الممزوج بالدم

خلّي لخماح ليشا بديثاح يبيا بأيذاح   : ذقت الخبز المعجون بعرقها والمخبوز بيديها .

ــ الأب يوحنان جولاغ لا يعدم استحضار الضوء من رحم الظلام ، وهو يسعى لغرس التفاؤل والأمل في مشاتل الحياة اليائسة يقول :

وَذلي عمروخ نيخا وبصيخا     : اجعل ( عمرك ) حياتك بين الراحة والسرور

كريا هاوي أن يريخا              : سيان إن طال عمرك او قصر

كونا دباثوخ وردا بقيخا          : ليكن وجهك كالورد المتفتح

بكنثا لبوخ براسا ريخا           : واجعل من قلبك جنة يفوح أريجها

لبّوخ هاوي رابا ورويخا         : ليكن قلبك كبيراً

تا كول لبواثا بثيخا                 : ومُستقبلاً للجميع

أيمد آثي كيبوخ أرخا              : وحينما تستقبل ضيفاً

وذلي طالوخ خورا بريخا         : أجعل منه صديقاً مباركاً

عصوري لبوّخ تد شاتيلي        : أسقه من عصارة فؤادك

وذلي لخما تد أخليلي              : أجعل له من قلبك خبزاً ... الخ

ــ ( خرخرّوكي ) عنوان لقصيدة اجتماعية نقدية طريفة لحالة اجتماعية شائعة في مجتمعاتنا ، وهو يشخص المرأة التي تقوم بنقل الكلام وفبركته للأيقاع بين الرجل وزوجته وصديق وصديقه   

وأخ وأخيه ...  وفي الحقيقة ان هذه الحالة لم تقتصر على المرأة فحسب فكثير من الرجال يشاركون المرأة بهذه السمة  .

أنا على يقين من ان معظم قرائنا يجهل معنى ( خرخرّوكي ) . وعسى ان اوفق بتوضيح معناها :

                                                                                    خرخرّوكي  :

لعبة للأطفال وهي عبارة عن قطعة خزفية ( خوسبيا Khospya  ) دائرية الشكل قطرها حوالي 6 سم . يتخللها ثقبان من طرفي القطر ويمرر بهما خيط  يعقد بين طرفيه ، ويدخل الطفل سبابته اليمنى في طرف وسبابته اليسرى في الطرف االآخر ، ثم يعمد الطفل الى إدارة ( الخرخروكي ) نحو الأمام ثم يسحب الخيط بيديه ، فتستمر القطعة الخزفية بدوامة من الدوران نحو الأمام ونحو الخلف طالما استمر الطفل بإرخاء الخيط وشدّه . والأب يوحنان جولاغ يشبه فعل المرأة المغتابة بهذه الحركة وهو يقول :

توتا بألولا وكمّا بل آسا              : تعلك متسكعة في الزقاق

ولشانح بطوخا خطاربثا دخاسا    : ولسان عريض كورقة الخس 

وأقلاثح بشيقي خلموذا دقيسا      : ورجليها ممدودتان كعمود الخشب ( لموذا ، أداة زراعية )

بيني شوياثا خبري بتخاسا         : وهي توقع بين الرجل وزوجته

لآذي وأيخرتا توتا بدراسا          : وبين هذه وتلك تطرح دروسها

وتنياثا ليبي دشوقالي بكاسا        : ولا تصبر على حفظ السر

مأث ناشا ولأوا كمشنيا بدورا     : وهي دائمة الحركة من شخص الى آخر ( خرخروكي )

كدمسا وكمطيبا خكرا خضارا      : تغرق او تنجي كدوامة الماء

خا كوذا كوما وأوخنّا خوارا       : تسربل واحدهم سواداً وآخر بياضاً

وأن آثي مبقري كبيشا بنكارا     : وإن سألتها تلجأ الى النفي

كمبيرا كيانح بشولاني دناشي    : تحشر أنفها بشؤون غيرها

وآني مسكيني بكاوح لا رأيشي   : ودون علم هؤلاء المساكين

من بوخا كزقرا كردي ملعوشي         : إنها من الهواء تنسج أنسجة معقدة

يوماح قّضيالي بخوشاوي ملعوشي   : وتقضي يومها دون فائدة

وأن بلطا مأيذاح كمحكيا لقاشي ..     : وإن تسنى لها لا يسلم من لسانها حتى الكهنة

للمرحوم الأب يوحنان جولاغ ثروة غنية من القصائد والأشعار تروي حدائق تراثنا وتغنيها ، بقي علينا ان نجمع هذه الشتلات وندونها في كتاب نفيس يأخذ مكانه اللائق في مكتبتنا التراثية ، فينهل منه أبناؤنا من الأجيال القادمة . وحين مراجعتهم لهذا الأدب الرفيع ستكتشف هذه الأجيال ، إن هناك قلباً طيباً كان ينبض بحب العراق وحب الأرض وحب القوش وحب التراث العريق إنه قلب المرحوم الأب :

                                                                            يــوحنـــــــان جـــولاغ

حبيب تومي / أوسلو   
 
2/Aug/2006                  

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

1 ـ بنيامين حداد : سفر القوش الثقافي ، مراجعة عمانوئيل شكوانا ، مطبعة المشرق 2001 بغداد

2 ـ مسودة مقال : دير الربان هرمزد في جبل القوش : القس يوحنان جولاغ .

3 ـ الأب الدكتور  يوسف حبي : دير الربان هرمزد ، بغداد 1977

4 ـ نوئيل قيا بلو : مار ميخا النوهدري ومدرسته ، مراجعة بنيامين حداد ، بغداد  1988

5 ـ حبيب تومي : القوش دراسة انثروبولوجية اجتماعية ثقافية ، راجعه بنيامين حداد وعمانوئيل شكوانا ، بغداد 2003

6 ـ الأب الدكتور يوسف حبي : دير مار ميخائيل ، بغداد 1991

7 ـ تاريخ يوسف بوسنايا : يوحنا بن كلدون ترجمة وتعليق القس يوحنان جولاغ ، بغداد 1984

8 ـ المهندس صباح جولاغ في فرنسا

 

العودة للصفحة الرئيسية        العودة لأرشيف الكاتب