باسم دخوكا فارس يترجل
د . حبيب تومي

الموت هذا الزائر المقدام لا ينسى احداً، ويعاودنا بإطلالته دائماً ليذكرنا بوجوده وبعدالته وبحقيقته ويبقى (الموت) هو الحقيقة الوحيدة التي تبقى قائمة ومستمرة الى ابد الآبدين.

لا ريب ان لرحيل الكبار وقعاً خاصاً في النفس لتستثير المشاعر والعواطف وتفتح الطريق امامك على نثر الحروف وفاءً للصداقة او تأثراً بالفاجعة او بكليهما. وكيف إذا كان الراحل بمكانة وبقامة الفقيد باسم دخوكا، حيث تتشابك العواطف مع المعاني السامية النبيلة التي جبلت روح الفقيد باسم دخوكا.

مداخلة باسم دخوكا في المؤتمر القومي الكلداني بمدينة ديترويت ايار عام 2013

لا ريب ان المرحوم باسم يوسف دخوكا كان ينطلق من واقعه المَرضي لكن إصراره وإرادته ووجدانه يأبى ان يستسلم للمرض، فلم يرضى بالصمت، بل يحبر بياض الورقة بكلماته المنثورة نثراً بصدى الكلمات النابعة من اعماق دواخله الفائضة بالمشاعر والإرهاصات، وسوف يجد القارئ وراء جدران تلك الكلمات احزان رجل أصر ان يجمع الزهور ويبتسم للحياة رغم ما يعنه من ألم، فكانت كلماته المنثورة اقرب الى الشعر إذ يقول في بعضها:

سقطت مني الكلمات، كما تسقط أوراق الشجر في فصل الخريف..

لم أعد أجمع بين الحروف أو أتهجى الكلمات.

كالبحر الذي غادرته الرياح والأمواج، فلم تعد تبحر فيه السفن...

لا يبارحني الألم إلا ليشتد ألم أخر، والدمعة لا تغادرني إلا لتنزل اخرى...

عيون حائرة تتأمل في السماء والطبيعة والوجوه...

فالسماء لا تزال صافية والطبيعة تحدثني عن الحياة والوجوه تتأملني...!!

كتابات كثيرة تنتظرني وأنا أنتظرها بشغف وشوق وترقب...

لا زلتُ لم أكتب عن الوطن كثيرا ً...

وعن أطفال الوطن...

حقاً إنه كلام كبير ايها الفارس باسم دخوكا.

كلمات تنبعث من اعماق الوعي .. من مشاعر الشجاعة والإقدام، اجل لا معنى للاستسلام، إنها عاصفة ترنو، ولتكن المجابهة حتمية، إنها رياح عاتية يخمد اوراها حيناً.. لكن سرعان ما تنشأ رياح عاصفة اخرى اقوى من الأولى، إنها معركة غير متكافئة، لكن لا مناص من خوضها، اجل إنها إرادة الشباب إنها الشجاعة، لكن المرض العضال اقوى سلاحاً وعتاداً وحيلة.

هكذا في هذه المعركة غير المتكافئة كان انطفأء شمعة باسم دخوكا، وترجله من فرسه، لقد بقيت قامته سامقة الى ان ضعفت قواه تحت تأثير المرض الخبيث..

إن باسم يوسف دخوكا لم يكن فقيد عائلته وأهله وذويه فحسب، بل كان فقيد وطنه العراقي وقوميته الكلدانية وفقيد مدينته الجميلة العزيزة عنكاوا، عنكاوا كان بعيداً عنها الاف الأميال لكن قلبه كان قريباً منها، إنها في مرمى بصره لا يمكن ان تغيب عن مخيلته. اجل ان عنكاوا يجب ان تبقى عذراء نقية لا ينالها ضيم او سوء او ظلم، يجب ان تبقى تلك الماسة الصافية الصلدة ابد الدهر.

لقد كتب سلسلة مقالات عن عنكاوا:

الأبراج الأربعة (خنجر) مسموم في خاصرة عنكاوا/ عنكاوا لا تزال تعشق المطر ألا تستحق عنكاوا أن ندافع عنها؟/ شبابنا في عنكاوا والدرس الكبير الذي نتعلمه منهم/ هل نحتاج لثورة بيضاء في عنكاوا؟/ رسالة مفتوحة من مغترب... لعنكاوا الحبيبة/ عنكاوا بين الماضي والحاضر/ صور مختلفة من الواقع في عنكاوا الحبيب. يقول في كلمات الغزل الجميل لمعشوقته عنكاوا:

عنكاوا.. لا تشبه أي مدينة في العالم، لا تزال تلك السمراء الجميلة ذات الشعر الأسود والعينين السوداوين والقوام النحيل والذي يشبه سنابل الحنطة والشعير، التي كانت تحتضن عنكاوا فيما مضى من الزمن.. انها تسكن القلب والقلب لا يهوى سواها، فلابد أن يستمر عشقنا و لهفتنا وحلمنا مهما حدث ويحدث..

نجم عن التوافق الفكري بيني وبين المرحوم باسم دهوكا صداقة جميلة وكانت بيننا رسائل كثيرة وفي واحدة منها يقول:

أخي الفاضل د. حبيب تومي المحترم.

لا يسعني إلا أن أشكرك من كل قلبي على السؤال عن صحتي.

وكم تمنيت أن ألتقيك في ديترويت ولكن (لعنة الله) على المرض اللعين والذي حرمني من هذا الشرف وذلك لأسباب صحية حيث كنت في المستشفى في تلك الايام.. وأدعوك لتصلي من أجلي. وانا كلي ثقة باننا سوف نلتقي يوما ما.. وانني على ثقة تامة بإن الغد هو لنا وعلينا يا سيدي أن نتذكر المقولة الرائعة في الكتاب المقدس:

(يوم الحصاد يسهل عليك الفصل بين ما ينفع ليكون ثمر وما يجب أن نرميه أو نحرقه لكونه لا ينفع) تقبل مني فائق التقدير والاحترام.

أخوك
باسم دخوكا

اجل كان على ثقة بلقائنا، وكان لقاؤنا في اروقة المؤتمر القومي الكلداني في ديترويت، لقد تحمل متاعب السفر واشترك في جوانب عديدة منه وكان لقائنا الأول والقدر قرر ان يكون اللقاء الأخير.

كانت ترافقه في المؤتمر شريكة حياته بيداء لقد كانت هذه المرأة الطيبة الوفية الى جانبه وهي ترافقه كظله لا تفارقه في كل تحركاته، لقد كان المرحوم باسم مع بيداء صنوان لا يفترقان، وهذا ما يعترف به باسم حينما إهداء كتابه ليستهله بقوله:

الى رفيقة دربي وحبيبة عمري بيداء التي لولاها معي لما قدر لهذا الجهد ان يرى النور.

لقد وضع حصيلة فكره وخميرة وجدانه في مؤلفه الذي كان يفتخر ويعتز به، كيف لا وهو عصارة فكره وثمرة جهوده، كما انه يضفي اليه مسحة حزينة التي كانت تعكس آلامه فيقول في مقدمته:

إنه صوت صدى قادم من بعيد. صوت حزين ينادي منذ سنين طوال، إنه ألم وجرح عميق وأنين..

وهو يدعوا القارئ الى التمعن في قصته، فهي ليست كقش في مهب الريح، إنها ليست إبداع اللغة في عالم الكتابة .. إنها انفاس وارواح تئن .. إنها نزف جرح غائر. إنها صرخة من الواقع المرير الذي حول الأمل الى الألم والحب الى الكراهية والحرية الى العبودية. إنهم أناس يعانون ويتألمون لسبب بسيط جداً ألا وهو انهم احياء.

ترجل الفارس باسم دخوكا عن فرسه، ورحل عنا بعيداً، لكن تبقى ذكراه الجميلة العطرة في وجدان وذاكرة محبيه. لقد كان مهموماً بأوضاع شعبه ووطنه وعائلته الوافية وقوميته الكلدانية ومعشوقته عنكاوا.

نتضرع الى الرب ان يتغمد فقيدنا المرحوم باسم دخوكا بوافر رحمته وأن يسكنه فسيح ملكوته السماوي، وأن يلهم اهله وذويه وعائلته الكريمة نعمة الصبر والسلوان.

د. حبيب تومي
اوسلو في 10/12/2013

العودة للصفحة الرئيسية        العودة لأرشيف الكاتب