حتى أنت يا قـس عمانوئيـل يوخنـا !ا
د . حبيب تومي

 

تحضرني قصة قرأتها في  مرحلة الشباب من الأدب الروسي لست متأكداً من مؤلفها ، لكن احداثها تدور حول إنسان برئ يقدم الى المحاكمة ويحلف انه برئ ، بيد ان المحكمة لا تقتنع ببراءته فيحكم عليه بالسجن  وينقل الى سيبيريا.  وفي يوم من الأيام تزوره زوجته ناتاشا مع طفلها  وتراودها الشكوك في اقتراف زوجها للجريمة، فتحاول استدراجه ليعترف لها كيف اقترف جريمته؟ فينظر اليها متعجباً مستغرباً  وهو يقول:

حتى انتٍ يا ناتاشا!

وأحداث القصة تستمر فقبيل انتهاء محكوميته بأيام يعترف المجرم الحقيقي بجريمته وتثبت براءة هذا الأنسان المظلوم . . ورباط الكلام أنني كنت اعتقد ان الخطاب السياسي الآشوري الأقصائي الذي يلغي الآخر ولا يحترم مشاعره، فكنت واثقاً  من وجود بعض المفكرين والكتاب من الآشوريين يميلون الى العقلانية والأعتدال ، وهكذا حسبت الأب عمانوئيل يوخنا أحد هؤلاء المعتدلين، لكن مع الأسف اسقط  في يدي فاللغة واحدة فلا اعتدال ولا هم يحزنون ، إنما هنالك متشددين ومتشددين  جداً.

(( في هذا السياق اقصد اللغة السياسية التي يستخدمها كتاب الأحزاب السياسية الآشورية اعتباراً من الحركة الديمقراطية الاشورية مروراً بالحزب الوطني الآشوري وبقية الأحزاب الآشورية مع بعض الأستئناءات الطفيفة، وهنا لا أقصد الناس الطيبين من الأخوة الآثوريين الذين أكن لهم خالص المودة والأحترام)). 

ولذلك ان الخطاب الآشوري  ميؤوس منه لا يمكن أن يخرج من دائرة التعصب القومي المؤدلج . ولا مناص من التصارح : إنكم تلهثون وراء السراب.

أولاً  ـ موقفكم المتسمّر في الثقافة الماضوية  ومنها تلك المتعلقة بالعلاقة مع الأكراد .

وثانياً ـ تهميشكم للقومية الكلدانية وتعمدكم استفزاز مشاعرهم القومية .

وثالثاً ـ هيمنة أفق العشيرة على تنظيماتكم الحزبية .

وأخيراً ـ أحلامكم في إعادة أمجاد الأمبراطورية الآشورية البائدة .

إن هذا الأشكالات تجعل منكم أناس بعيدين عن أرض الواقع فلا تتحلى قراراتكم بالموضوعية .

الدليل يمثله الأب الموقر عمانوئيل يوخنا الذي يمتطي نفس الحصان ويسترشد بنفس البوصلة المتجهة صوب السراب دائماً. في سلسلة مقالاته ينبعث من عنوانها غبار التشدد والتعصب القومي المؤدلج في حتمية إقصاء الآخر  فيقول :

قراءة آشورية في الدستور الكردستاني ــ هل للحكم الذاتي الآشوري في أقليم كردستان فرصة ؟ 

عجيب أمور غريب قضية . .. المؤكد أن الأب عمانوئيل لا يقصد بالآشوري قرى كيرانجوك وداشقتان وعمبقري، عين بقر  وشرفية وهذه القرى آثورية ، رغم ان ملكية شرفية تعود لدير السيدة (الكلـــــــداني). لكنه يخلط معها القصبات والحواضر الكلدانية والسريانية ولتأكيد ذلك يؤكد في ملاحظته فيقول:

إن العديد من المشاركين في الحوارات لا يدركون مدن وقصبات وقرى شعبنا في سهل نينوى ومن أجل إغناء المعلومات والحوار فإني أخص قراء موقع عنكاوا بهذا العرض المختصر للوجود الديموغرافي ( الآشوري ) في سهل نينوى .. ويسرد الأب قضاء تلكيف ونواحيه وقصباته ، ثم يأتي الى القوش  وتلسقف وباقوفا وشرفية وبيندوايا .. وهكذا يتحفنا القس عمانوئيل بدرره بهذه المعلومات الفريدة التي كنا نجهلها تماماً .. من المعلوم إن مسودة الدستور لأقليم كردستان تذكر القومية الكلدانية مع القوميات الأخرى، وهذا موثق في الدستور العراقي ايضاً.

لكن بموجب لغة القس عمانوئيل الأقصائية المتشددة تكون شرفية قد ( ابتلعت ) كل من القوش وباقوفا وتللسقف وباطنايا وغيرها. وهنا يحق لي ان أسأل رابي عمانوئيل:

لماذا ذكر اسم القومية الكلدانية في الدستورين يا ترى؟  وهل من المعقول  إنك لم تسمع او تقرأ عن قومية عراقية كلدانيـــــــة؟

ثم هناك أناس يعتزون بهذه القومية، واحتراماً لهم ولمشاعرهم  ذكر أسمهم في الدستور.

هل يعقل ان العرب والأكراد والتركمان وكل المكونات العراقية تعترف بوجودنا الكلداني  باستثناء اللغة المتشددة التي تطلقها احزابكم السياسية؟

الا يجدر بكم ان تنبذوا لغة القطيع التي تستخدمونها مع الكلدانييـن؟

هكذا إذن الأب عمانوئيل يوخنا يرجعنا الى المربع الأول ويفوق في مهارته ، تلك التي مارستها الحركة الديمقراطية الآشورية والأحزاب الآشورية الأخرى.

رابي عمانوئيل يوخنا الجزيل الأحترام : نحن لسنا آشوريين ولسنا كلدوآشورين، نحن كلدانيين، نحن لنا ذاتيتنا وشخصيتنا وكرامتنا، بالعربي الفصيح قوميتنا كلـــدانية.

ان النظرية المعتمدة على الجغرافية والقائلة بآشورية سكان سهل نينوى، فإنها نظرية تفتقر الى الواقعية والموضوعية، إن سكان سهل نينوى اليوم هم من الكلــدان والسريان والعرب والأكراد والشبك واليزيدية والاشوريين الذين يقطنون بعض القرى الصغيرة، وآشور (شرقاط) العاصمة المقدسة للدولة الآشورية يقطنها منذ قرون العرب . فالأعتماد على عامل الجغرافية وحده لا يمكن التعويل عليه في مسألة القومية.

إنك تردد نفس الفكر المؤدلج الذي يرمي الى إقصاء القومية الكلدانية من الساحة العراقية، لقد مورست هذه اللعبة (نعم هذه اللعبة ولست مخطئاً في استعمالها) في مطاوي العقد الأخير من القرن السابق مع الكلدانيين في أمريكا، وأنا أعترف ان اللعبة انطلت على بعض ابناء شعبنا الكلدانــي، لكنها لم تنطلي على الجميع والتي فضحت خيوطها ومن قبل شخصية سياسية عراقية فذة وهو المرحوم توما توماس.

لنقرأ أيها الأب ما يكتبه المرحوم توما توماس بخط  يده في رسالته الى السيد نبيل دمان والتي نشرت محتوياتها في موقع عنكاوا يقول:

إن موضوع الكلـــدان وأمَلك ان ترى هذا الوسط "الذي يحلو له ان يسمي نفسه بالكلدانــي" هذا اعتبره تمني وليس دعوة الى العمل، (( إن من هم كلـــدان لا يمكن تبديلهم بجرة قلم الى آشوريين كما يحلو للأخوة الآشوريين ذلك)) إنها تعقيد للعمل القومي والوحدة، إنها آمال البعض بإحداث أنقلاب في التاريخ، إن أصرار الأخوة الآشوريين على هذه التسمية كما قلنا هو استحالة العمل ووحدة الشعب .. انتهى الأقتباس

هذا هو رأي القائد  توما توماس الذي نعترف كلنا باعتداله  ونكران ذاته وأخلاصه لشعبه.

ويحضرني رأياً أشورياً معتدلاً  وهو للقس أبرم أوراها بثيو من نيوزيلندة ، في مقاله الموسوم :    الله يرحم الأستاذ منصور عودة سورو .. يقول :

.. وكان المرحوم الأستاذ منصور مديراً للمدرسة ويدرسنا مادة الحساب . كانت شعبتنا ممزوجة من الآشوريين والأيزيديين اهالي القرى المجاورة والكلـــــــدان ( أهالي القوش وهم الأكثر ) وكان هناك تسابقاً بيننا ... الخ انتهى الأقتباس .

إن هذا الكلام لأب جليل وغير مقيد بخطاب مؤدلج وغير متعصب مثلك يا أب عمانوئيل يوخنا . إذ ترغب تمرير نظريتك الأقصائية وانت محصن بحصان طروادة بالدفاع عن حقوق المسيحيين.

وفي هذا الصدد تجنباً لخلط الأوراق فإنني اشير الى موقع حزب شورايا الذي يعطي أذن صاغية لسماع الرأي الآخر، حتى لو كان هذا الآخر مخالفاً مع توجهاته . إن مثل هذا الموقف من حزب شورايا اعتقد لا نجد له مثيل في الأحزاب الآشورية الأخرى.

الأب عمانوئيل يوخنا اسمح لي ان أقول :

نحن الكلـــدانييـن في وطننا العراقي كان لنا الدور الأيجابي في بناء هذا الوطن منذ الأزمنة القديمة والى اليوم، لقد ساندت قيادتنا الكلدانية قيام حكم وطني ملكي عراقي، كان لنا عضو ثابت في مجلس الأعيان المتكون من عشرين عيناً، إضافة الى  خمس نواب في البرلمان. كان لنا كوادر في الأحزاب الوطنية وكوادر في الأحزاب المعارضة، ولنا مساهماتنا في الأعمال التجارية والصناعية والخدمية وكان لنا فنانين وأدباء وعلماء، كان لنا علاقات أخوية مع العرب والأكراد، ساهمنا في مقارعة الحكومات المستبدة، وقوافل شهدائنا الكلــدانيين تشهد على ذلك.

 في القوش كان لنا علاقات وثيقة تجارية واجتماعية مع الأكراد، ولم يعكر صفو هذه العلاقات بعض الأعمال الفردية، وإن كانت القوش وغيرها من قرانا قد تعرضت الى بعض النكبات وكان أقساها تلك التي شنها أمير راوندوز ميركور او الأمير الأعور عام 1832 ، فإن حملته هذه لم تكن تستهدف القوش والقرى المسيحية  فحسب، إنما حملته شملت أربيل واستولى على التون كبيري وأخضع لنفوذه مدناً ومناطق هامة في شمالي العراق كما احتل أراضي ولاية بهدينان المجاورة لولاية الموصل ثم استولى على العمادية ومدينة عقرة ومنها انطلق الى الموصل وكانت السيطرة والغنائم والتكيل بالمواطنين هو هدفه.

لقد ساهم الكلدانيون في الثورة الكردية وكان لهم دور كبير في تأمين  التجهيزات الضرورية لها، إضافة الى الرجال المقاتلين المتطوعين في صفوف هذه الثورة، وكان توما توماس في مقدمة هؤلاء المساهمين.

من هنا عزيزي الأب عمانوئيل يوخنا لا نقبل ان تكون وصياً علينا وينبغي عليك ان تحترم مشاعرنا مقابل احترامنا لمشاعرك.

ثم ألا ينبغي ان يكون خطابك أكثر اعتدالاً  ؟

في الوقت الذي نحن احوج ما يكون الى توحيد الكلمة بين أحزابنا السياسية الآشورية والكلدانية والسريانية وكنائسنا وكتابنا وفنانينا ومستقلينا وكل أبناء شعبنا.

الا يجدر بنا جميعاً الأعتدال في الخطاب بغية أيجاد آلية للعمل المشترك بين الجميع في هذه الظروف القاسية؟ ما هو الداعي الى استفزاز المشاعر ومحاولة إرجاعنا الى جدلية التسميات مرة اخرى؟

أملي ان أقرأ لغة بعيدة عن مفهوم القطيع تحترم الجميع  ومن منطق الندية ودون تعالي،  ليتسنى بناء جسور متينة من التفاهم والمحبة بين مكونات شعبنا من الكلـــدان والسريان والآشوريين.

لك مني فائق المودة والأحترام.

حبيب تومي / اوسلو
23/11/2006

العودة للصفحة الرئيسية             العودة لأرشيف الكاتب