حرب التسميات بين ابناء شعبنا من اختلاق الأحزاب الآشورية حصرياً
د . حبيب تومي

عجزت الأحزاب الآشورية العاملة على الساحة السياسية العراقية عن ايجاد لغة حوار عصرية ومخارج سلمية وعقلانية للاختلافات الفكرية التي كانت مختلقة حولها وإن لغة التناحر وتبادل الأتهامات هي سيدة الموقف بين هذه الأحزاب ، ولعل من يستمع الى حواراتهم في غرف البالتاك ، او يقرأ المقالات المدونة على المواقع يستنتج هذا الواقع دون عناء . وفي التاريخ الطويل نسبياً لهذه الأحزاب لم تتوفق في التوصل لايجاد لغة مشتركة والعثور على قاسم مشترك متمثل في الحد الأدنى من الأتفاق والى اليوم تعيش هذه الأحزاب هذا الواقع المرير .

في سنة 1920 انطلق رجل اسمه السيد محمد بن أحمد الحسيني المنشئ البغدادي في رحلة بديار الكورد ومواطن العراق الأخرى وكان برفقة المقيم البريطاني ببغداد وهو كلاديوس جمس ريج وكانت رحلته  الى شهره زور وسنة ، وسقز ، وكركوك وكوبري وأربل والموصل وأنحاء أخرى ، وما يهمنا هو ما يكتبه عن مناطقنا في كتابه الموسوم رحلة المنشئ البغدادي نقلها عن الفارسية عباس عزاوي المحامي يقول ص 59

(( .. من تبة رش الى السليمانية ثلاثة فراسخ ، والسليمانية بلدة فيها ستة آلاف بيت كلهم كورد شافعية وفيهم نحو ثلثمائة بيت يهود وخمسون بيتاً للنصارى الكلـــدان .. )) .

وفي ص 78 عن كرملش وأنحائها يقول :

(( في تلك الأنحاء قرى كثيرة كلها نصارى كلدانيون وسريانيون ، وجميعها تزرع الحنطة وتتعاطى النسيج . )) .

وفي ص 85 ـ 86 يقول :

(( .. ومن دير الربان هرمز الى القوش فرسخ واحد وهذه قرية نفوسها نحو ألفي بيت كلهم من الكلـــــــــدان ، وجبلهم هذا في حكم باشوات العمادية ، وان القوش نصف منها يعد من الموصل والنصف الآخر يعتبر من العمادية .

ويضيف :

ومن القوش الى تل أسقف ( تللسقف ) أربعة فراسخ وأن الطريق سهل وبيوتها نحو ألف ، كلهم كلـــــــدان .. ومن تلسقف الى تلكيف فرسخان . وهذه تبلغ الفي بيت كلهم كلــــــــدان .. )) .

هذا شاهد عيان سنة 1920 وليس بمسيحي او منتمي الى حزب كلداني ، وهو يقول ص 16 أنه لا يأبه إلا لما شاهده رؤى العين ، ولا يبالي بالمسموع المنقول . لقد دوّن كل ما رآه بلا زيادة ولا نقص في مجموعة أراد ان تكون نبراساً لارباب النهى .

في اعقاب الحرب العالمية الأولى وفي خضم هجرة القبائل الآثورية الى هذه الديار ، قدم الكلدانيون ما استطاعوا تقديمه لاخوانهم الآثوريين ، ولكن اخواننا الآثوريين قلبوا لهم ظهر المجن ، ولم ينطلقوا في توجهاتهم بإطار ديمقراطي إنساني ، إنما انطلقوا بعقلية قومية أديولوجية متزمتة ، ولم يعيروا اهتماماً لمشاعر اخوانهم الكلدانيين ، فعملوا المستحيل وفرغوا كل جهودهم لمحاربة الأفكار القومية الكلدانية ، وهو يتوجسون خشية بأن نهوض الشعور القومي سيعني تقليص ساحة العمل للاحزاب الآشورية .

 لقد جرت محاولات لكسب المثقفين الكلدان في مطاوي التسعينات من القرن الماضي الى صفوف الحركة الديمقراطية الاشورية ، وفعلاً افلحت الحركة من كسب نخبة كبيرة من اليساريين خصوصاً من الآلاقشة الى صفوفها ولكنها لم تفلح في كسب الشخصية الكلدانية العراقية المعروفة المرحوم توما توماس الذي كان يؤمن بحرية الرأي وحرية الأنتماء ويؤمن بالحتمية التاريخية .

وتناغماً مع هذه الأستراتيجية أظهرت الحركة الديمقراطية الآشورية تنازلاً  عن التسمية الآشورية الى تسمية كلدوآشورية وذلك في الأعلان المرسل الى الآخر خارج الحركة ، وليس الى داخل تنظيم الحركة بدليل تشبثها وتمسكها باسمها الحركة الآشورية وفضائيتها الآشورية أيضاً ، مع توزيع اوراق الكلدوآشورية لكسب لفيف من الكلدان وهم تحت خيمة هذه التسمية التي تعلقها على بعض المنظمات التابعة لها . واللعبة منطلية على الكثير من الكلدانيين لحد الآن .

المعلوم ان الأحزاب الآشورية لا يمكن ان تتخلى عن توجهاتها القومية وتشكل التسمية الآشورية العمود الفقري لهذه التنظيمات وهي العامل السحري في كسب ود الفرد الآشوري ، ومن ناحية أخرى  يسيل لعاب هذه الأحزاب للكثافة السكانية للكلدانيين ، إن كان في الوطن او في دول المهجر ، فطرحوا اسم الكلدان السريان الآشور ، كتسمية قومية وهم مؤمنون انه لا يوجد مثل هذه القومية في الكون ، لكن تسخير الماكنة الاعمية الاشورية برمتها لهذا الغرض قد افلحوا في تمرير التسمية ولو الى حين ، وفعلاً واحد من اصدقائي في امريكا يقول : ألم تكن هنالك جيكوسلوفاكيا قومية  خليطة ؟ فلماذا لا تكون هنالك قومية كلدانية سريانية آشورية ، ومع هذه السطحية في التفكير  نحاول ان نبرر ونقنع انفسنا بما ليس موجوداً .

عزيزي القارئ هذا هو الجدل الذي اسسته الأحزاب الآشورية لغايات اديولوجية قومية سياسية لا غير ، والمسألة كما قلت سابقاً هي مسألة الكعكة ، فلو كنا سريان وآشوريين وكلدان ، وأرمن  لكان في كوتا اقليم كوردستان للقوى المسيحية كما يلي :

 ثلاث مقاعد للكلدانيين

مقعد واحد للآشوريين

 مقعد واحد للسريان

مقعد واحد للارمن

فالأشقاء الآشوريين يعرفون من اين تؤكل الكتف ، فما هو الضير في طرح شعار وخلق قومية جديدة هجينة وترقيعها ثم الخروج بقومية جديدة رغم قناعتهم بعدم وجود مثيلها في اثنوغرافية شعوب الآرض قاطبة .

لم يكن هنالك جدالاً حول التسميات وكل شخص كان حراً في ان يسمي نفسه وقوميته دون اتهامه بخيانة او تمزيق الأمة ، فالكلداني يقول انا كلداني والسرياني يقول انا سرياني والآشوري يقول آنا آشوري ، فلماذا يكون هناك تمزيق الأمة في إحلال الحرية والديمقراطية في المجتمع واحترام الجميع دون فرض افكار أديولوجية ثابتة ؟ ودون فرض ثوابت ؟

إن هذا الجدال العقيم هو مجرد افكار قومية متزمتة تفرضها احزابنا الآشورية على ساحتنا فتشغلنا عن التركيز على القضايا المهمة كالهجرة والبطالة وغيرها من المشاكل التي تمزق شعبنا بحق وحقيقة .

 حبيب تومي / اوسلو في 1 / 8 / 2009 

العودة للصفحة الرئيسية             العودة لأرشيف الكاتب