حقوق الشعب الكلداني ليست ورقة للمساومة أو بضاعة للمتاجرة
د . حبيب تومي

كتب الزميل سعد عليبك قبل ايام مقالاً تحت عنوان التنظيمات السياسية الكلدانية الى اين؟ وشخص بعض المعوقات واقترح بعض الحلول، وقبله كتب الزملاء وديع زورا والدكتور عبد الله رابي وسيزار هرمز ونزار ملاخا والشماس كوركيس مردو وقرداغ كندلان وناصر عجمايا وبطرس آدم، وعامر فتوحي، ومنصور توما ياقو ويوحنا بيداويد ومؤيد هيلو ولؤي فرنسيس ونوزاد حكيم وفاروق يوسف وصباح دمان وغيرهم كثيرين من اعضاء الأتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكلدان.

وهنالك شريحة مهمة ايضاً من الكتاب من خارج الأتحاد يتحفون المواقع بآرائهم السديدة في معالجة وضع الشعب الكلداني وكمثال غير حصري الزملاء نافع الياس توسا والأستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس، ومايكل سيبي والدكتور سمير خوراني وزيد ميشو وباسم دخوكا وماجد هوزايا وعصام شابا الكلداني ومرقس اسكندر والقائمة تطول ايضاً .

اجل ان هؤلاء الزملاء وغيرهم من الكتاب الذين يفتخرون بقوميتهم الكلدانيـــة، إن كانوا من الأتحاد او من خارجه، ومقدماً اعتذر لمن لم تحضرني اسماءهم، فجميعهم يتناولون قضية الشعب الكلداني ويشخصون مكامن الخلل، وطرق معالجتها بأسلوب نقدي بناء. والكل يتفق حول محور مفاده ان الشعب الكلداني قد هضمت حقوقه القومية والسياسية بعد سقوط النظام في نيسان 2003، وهو الشعب الوحيد الذي انتهكت حقوقه بهذه الدرجة من التعسف والظلم .

العجيب الغريب ان يجري التعامل مع مكون عراقي اصيل بهذا القدر من الأجحاف والأهمال والتهميش، إن هذه الحالة التي تتناقض مع ابسط لوائح حقوق الأنسان، وحقوق الأقليات، إضافة الى حقوق الشعوب الأصيلة، ويعامل هذا الشعب وكأنه هو الذي صلب المسيح وعليه ينبغي اليوم معاقبته، بل حتى اليهود الذين صلبوا المسيح فقد أقرت براءة الشعب اليهودي في الوقت الراهن من دمه، باعتبار ان هذا الجيل لا يتحمل جريرة ما ارتكبه اجدادهم. لكن شعبنا الكلداني يبقى المكون الوحيد الذي طاله العنف الدموي والعمل الأرهابي والتشريد القسري، وفي الشأن السياسي والقومي يجري تهميشه قومياً وسياسياً، تحت طائلة اننا شعب مسيحي واحد وما دمنا شعب مسيحي واحد نحن الكلدان والسريان والآشوريين فليكن الموت للكلدانية ولتكن الحياة للاشورية.

بهذه العقلية المتزمتة يحاول سدنة الوحدة بتقزيم معناها الحقيقي الى ما تريده الأحزاب السياسية في دمج الأسماء التاريخية بصيغة تعسفية، واختراع خلطة عجيبة لا تمت الى واقع وحقيقة اثنوغرافية الشعوب بأية صلة. يحدث التعامل مع شعبنا وفق هذه المعادلة العرجاء التي يجري تمريرها على القيادة الكوردية وعلى الحكومة العراقية، وكأننا خلقنا لنكون تحت وصاية الأحزاب الآشورية المتزمتة قومياً ومذهبياً.

إن قوميتنا الكلدانية يجري ذبحها على مذبح (وحدة شعبنا) التي باتت موجة يركبها كل من يريد تمرير اجندته الحزبية، وأصبحت هذه الوحدة المزعومة عبارة عن موعظة يومية جوفاء خالية من المعنى، إنها حجة لمن لا حجة له وكلاماً إنشائياً لمن لا كلام له، اصبح ترديدها مقرف وممل بدون معنى.

نحن نفهم الوحدة بين فرقاء بأنها شراكة شريفة لا سيما بين الفرقاء الذين يدعون انهم شعب واحد، كيف نفسر ما تقوم به فضائتي آشور وعشتار من جهود مضنية مع صرف ملايين الدولارات بهدف دفن القومية الكلدانية وإعلاء شأن القومية الآشورية؟

في حين ان هاتين الفضائيتين تعملان باسم المكون المسيحي الذي يتكون من كلدان وسريان وآشور.

كيف نفسر سلوك المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري في تشديد الخناق وفرض حصار اقتصادي وأعلامي على كل حزب كلداني يعتز بقوميته الكلدانية ولا يفك هذا الحصار إلا بعد رفع الحزب الكلداني العلم الأبيض، علامة الأستسلام والخضوع، حينها بعد الركوع لاجندة المجلس الشعبي تنهال النعم من السماء فتزدهر المقرات الواسعة المزودة بالآثاث الوثير الفاخر.

إن المسألة هنا مرتبطة بشكل كبير بلوائح حقوق الأنسان، ولا تمت بصلة لخطورة الوضع على مصير شعبنا فالتعامل الأنساني مع شعبنا الكلداني ومنح حقوقه القومية في الوطن العراقي وفي اقليم كوردسان لا يشكل اي خطورة على وحدة شعبنا وعلى صيرورة الفضاء والكون وستبقى الأرض كروية تدور في فلكها حول الشمس فليس هنالك كارثة على وحدة شعبنا المزعومة، فالوحدة هي مطية لألغاء حقوق الشعب الكلداني التاريخية بحرمانه من حقه القومي في الكوتا المخصصة للمكونات العراقية الأثنية والدينية.

يقول امين معلوف في: هويتي .. من أكون ؟

إن الحقيقة المؤكدة ان ما يحدد انتماء الفرد الى جماعة معينة هو في الأساس تأثير الآخرين عليه، اي تأثير القريبين من اهله ومواطنيه وأبناء دينه فيسعون لامتلاكه وتأثير من هم في واجهته لأنهم يحاولون إلغاءه.

المبدأ المقبول من الجميع هو الأحترام المتبادل، وهذا المبدأ يفند كل الأفكار الأديولوجية التي تدعي التفوق والغلو في في الأدعاء بامتلاك اليقينيات، إن الفيلسوف الصيني كونفوشيوس يتطرق الى حقوق الأنسان من زاوية أخرى، فعنده المجتمع يتكون من مجموعات مميزة، أي لكل منها خصوصياتها، وهو يفضل ان يقول بأن مبدأ الحقوق يبدأ من الألتزامات المتبادلة. ولو طبق هذا المبدأ لكان كل فريق من شعبنا قد تحرك في حدوده دون التجاوز على اسيجة الآخرين.

حينما ازعم ان الشعب الكلداني دأب بعضهم على جعل حقوقه ورقة للمساومة وآخرين يحاولون جعلها بضاعة مطروحة للتجارة، وإنهم المعنيين باستلام الثمن.

لقد شرع الأخ يونادم كنا بالمتاجرة بالقضية الكلدانية وجعل من نفسه وصياً عليها حينما طرح نفسه كممثلاً للمسيحيين من الكلدان والسريان والآشوريين في مجلس الحكم، وبعد هذا الطرح تبين ان الأخ كنا عمل لحزبه وقوميته الآشورية فحسب، وأبقى حزبه في إطار الخصومات التاريخية المذهبية مع الشعب الكلداني، مع الأسف، فبقي اسيراً لتلك العقلية وبهذا قرر حزبه ايجاد تسمية سياسية للكلدان بدلاً من اسمهم التاريخي الكلداني، وهو احتفظ لحزبه وفضائيته وجمعيته الخيرية بالأسم الآشورفحسب دون ان يمسه او يبدله بما يقترحه للآخرين.

وبذلك انتزع جميع المكاسب المخصصة للمسيحيين من الكلدان والسريان والآشوريين في الدولة العراقية، وحينما طرحت الكوتا بإطارها الديني وجرى تهميش لأسمائنا التاريخية كان اول المصفقين لكوتا مسيحية، التي تقع في كثير من مفاهيمها بمنطق اهل الذمة الذي عانينا بسببها وذقنا الويلات عبر 1400 سنة.

هذا ما كان من شأن حزب الزوعا، اما منطق المجلس الشعبي لم يكن غريباً عن هذا المنحى، فقد دأب المجلس الشعبي الذي اتخذ بعد ذلك صيغة الحزب السياسي المنافس للاحزاب الأخرى، حيث شرع ايضاً بالمتاجرة بورقة الكلدان كما سلك زميله حزب الحركة الديمقراطية الآشورية، وهو ايضاً سيطر على الكوتا الكلدانية بعد تحويلها الى كوتا دينية مسيحية، وهيمن على فضائية عشتار التي يتعين ان تكون لكل المسيحيين فأضحت فضائية آشورية بحتة وباتت تنطلق ايضاً بعقلية مذهبية تاريخية ضيقة، من اجل دفن كل ما اسمه كلداني وتخليد كل ما اسمه آشوري، هذه هي الحقيقة الواضحة كوضوح الشمس.

ولكن ماذا عن احزابنا ومنظماتنا الكلدانية التي دأبت ايضاً على المتاجرة بالأسم الكلداني؟

إن هذا الشق من المتاجرة بالقضية الكلدانية وجعلهاً سلم للآرتقاء وكسب المنافع الشخصية، كانت من قبل كثير من القائمين على الأحزاب السياسية والنوادي والجمعيات الكلدانية التي باعت القضية الكلدانية بحفنة من الدراهم، ولكن الذي يؤلم ان هذه الجمعيات او الأحزاب في العراق وفي اميركا تتخذ من الأسم الكلداني عنواناً لها وتتاجر بهذا الأسم لمنافع شخصية.
إن سجل تلك الجمعيات والأحزاب الكلدانية لا يقرأ فيه اي مكسب للشعب الكلداني إن كان اقتصادياً او سياسياً او قومياً بل العكس هؤلاء يحاربون كل من يعتز بقوميته الكلدانية ويجعلون منه خائناً وممزقاً للامة.

ثمة معادلة غير سليمة بالنسبة (لمعظم) احزابنا وجمعياتنا الكلدانية، فما نعرفة ان الحزب الديمقراطي الكوردستاني يعتز ويدافع عن القومية الكوردية، وحزب البعث العربي الأشتراكي يستميت من اجل القومية العربية، والحزب الوطني الآشوري يفتخر بقوميته الآشورية، ولكن المثير للدهشة ان بعض احزابنا الكلدانية تنأى بنفسها عن القومية الكلدانية، طيب يا اخوان لماذا لا تتركون الأسم الكلداني لمن يعتز بهذا الأسم ويدافع عنه؟ ولهذا اقول إنكم تتاجرون بالأسم الكلداني ليس إلا !

ومع ذلك أقول:

لو توحدت تلك الجمعيات والأحزاب والنوادي الكلدانية لو توحد خطابها وكان لها قرار شجاع بعدم الرضوخ للمجلس الشعبي او للحركة الآشورية ووضعت يدها بيد الأتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكلدان ومع المجلس الكلداني العالمي الذي انبثق من مؤتمر النهضة الكلدانية، وعمل الجميع بيد واحدة وقلب واحد، لأضطر هؤلاء (المجلس الشعبي، والحزب الوطني الآشوري والحركة الديمقراطية الآشورية) على احترام الشعب الكلداني والأعتراف بحقوقه، لكن تلك الأحزاب وتلك المنظمات (الكلدانية) عكفت على التناكف للتملق ومداهنة المجلس الشعبي والحركة بغية الحصول على منافع اغلبها شخصية، فأصاب الضعف القضية الكلدانية برمتها سياسياً وقومياً وثقافياً وإعلامياً، وسببه تلك الأحزاب والمنظمات (الكلدانية) التي تاجرت بهذا الأسم التاريخي الجميل واكتفت بتلك المنافع الشخصية. إن المنطق والضمير يحتم على هذه المنظمات تغير اسمها الكلداني الى اي اسم آخر وتكف عن المتاجرة بهذا الأسم التاريخي الكريم .

بقلم : حبيب تومي
عنكاو
ا
habbtomi@yahoo.no
 في 15 / 06 / 11

العودة للصفحة الرئيسية             العودة لأرشيف الكاتب