كلمات من المنفى
باسم دخوكا

منذ أن كنت صغيرا ً كنت أسمع كلمة (المنفى) وكنت أعتقد إنه حكم غير قاسي مقارنة بالأحكام التي كانت تصدر في بلداننا بحق من يعارض أو يخالف نظام الحكم. حيث كانت أبواب المعتقلات تتسع لدخول الآف، أما السجون فكانت تضيق بالأجساد التي تتحاشر الى حد لا تتسع فيها الحركة سواء وقوفاً أو جلوسا ً، وكثيرا ما كانت ألأجساد تسحل خارجا ً وبلا أرواح. إذن النفي الى مكان بعيد كان حكما ً رؤوفا ً قياسا ً للأحكام المعروفة حينها.

وبعد سنين طويلة إكتشفت إن (المنفى) قاس جدا ً، سواء إن كان الحكم يصدر بحقك أو تختاره لأسباب مختلفة. نعم المنفى صعب وكأنهم يسلخون جلدك وأنت حي ًّ ترزق، وأحياننا أخرى بالرغم من قساوته يكون أفضل من العيش في الوطن.

فيا (للهول) ومادمت أتحدث عن المنف.. لقد نسيت ذكر إن هنالك منفاً اخر وهو أنك أن تنفى داخل (نفسك) وما أصعب أن تتذوق ذلك المنفى..عندها تفقد كل شيء...تفعل ما لا تؤمن به، تقول ما لا تود قوله، تصفق لمن يستحق أن تبصق بوجهه، تصبح من الأموات وأنت في الحياة. فالحر يرضى بأن ينفى بعيدا ً عن الوطن ولكن يظل الوطن يعيش فيه ِ، و الحر يختار بأن ينفي نفسه لكي لا يذل من قبل نظام حكم يذل كل من يخالف حكمه، والحر لا يساوم على حريته لا برغيف خبز ولا بوظيفة مرموقة في ظل حكم جائر، والحر يعيش أو يموت على متر مكعب واحد ويشعر إنه يمتلك العالم كله وكل العالم هو ملكا له، عجبي... لماذا للحرية مذاق يشبه الأبدية؟ هل لأنها فعلا ً هي... الأبدية؟

ففي وطننا اليوم لا أحد يستطيع أن يقول إنه حر، و حتى بعد زوال نظام البعث الطاغي والدكتاتورية، و إن قالها أحدهم لسوف أقهقه ضاحكا ً، وبعدها لسوف أبكي بكائا ً مريرا ً.
في وطننا...

الحر هوالحاكم وإبنائه وأقربائه وبعض من مواليه. فإن قلت ما لايرضيه ونطقت بما لا يعجبه وإنتقدت ما يفعله.. وإن أبصرت النور فهذه نعمة أنعمها هو عليك، وإن قتلك بيديه فهذه نعمة أخرى ليخلصك من عذاب ما كنت تتلقاه ممن سوف يتفننون بقتلك ليظهروا ولائهم للأمبراطور الذي يركعون تحت قدميه.

في وطننا..

ضيعنا الوطن وأصبحنا وكأننا في منفى ولكن داخل الوطن، فلم يعد لنا وطن إلا في كتاباتنا وذكرياتنا.

ففي وطننا..

القادمون الجدد للحكم لا يشبهوا في ملامحهم ولا في أفعالهم ولا حتى بدمائهم إنهم أبناء للوطن.

وكأن الوطن نفسه أصبح في المنفى اليوم.

dkhuka@hotmail.com

August 03, 2011

العودة للصفحة الرئيسية             العودة لأرشيف الكاتب