نجمة الكلدان رباعية أم ثمانية؟
عامر حنا فتوحي

بسبب المداخلات التي أفرزها موضوع العلم القومي الكلداني الذي أقر بشكل أولي عام 1997 في ديترويت وصادق على إقراره المؤتمر الدولي الأول للكلدان المنعقد في سان دييكو عام 2011م ، كانت تصلني العديد من من الإستفسارات حول مبرر تجاوزي لبعض تصاميمي السابقة من مشروع علم الكلدان والأسباب التي دعتني لإستخدام (النجمة الثمانية) بشكل نهائي بخاصة وأنني كنت قد أعتمدتها لأول مرة في تصميمي المنفذ عام 1985م ، وكذلك ماهية الفرق بين إستخدام النجمتين الثمانية المستخدمة في المطبوعات العلمانية والنشاطات القومية والثقافية وبين إستخدام النجمة الرباعية التي عادة ما تستخدمها المطبوعات الدينية بأشكال مختلفة ، وبالتالي أيهما تمثل النجمة الفعلية أي الرمز القومي للأمة الكلدانية ؟

إزاء أسئلة من هذا النوع ، لا بد لي إبتداءً من شرح بعض الأمور التي تتعلق بكلتا النجمتين الثمانية والرباعية من الناحية التاريخية ، وبالتالي توضيح أي منهما هي النجمة الكلدانية الصحيحة بمعنى النجمة الشرعية للأمة الكلدانية .

الحقيقة التي يجهلها عامة الكلدان أن مشروع العلم الكلداني هو (مشروع قومي) لا علاقة له بالتقسيمات الطقسية لكنائس بيث نهرين ، وإن العلم قد أبتكر أساساً ليعزز إنتماء الكلدان بالمعنى القومي للكلمة (الرافديون الناطقون بالسواد )بالسورث( التي هيّ لهجة محلية كلدانية) وعلاقتهم الوجدانية والتاريخية بوطنهم الأم بيث نهرين / العراق الحديث . من هذا المنطلق فأن ليس ثمة من علاقة للكنيسة الكلدانية رسمياً بهذا المشروع مع أن كنيستنا المباركة تبارك أبنائها ولا تتدخل في شؤونهم العلمانية ، لكن إعتزاز رجال الكنيسة الكلدانية بعلم الأمة الكلدانية نابع من إعتزاز هؤلاء الكلدان بإنتمائهم الرافدي وهويتهم القومية ، وهو إعتزاز مشروع يشبه إعتزاز أي شخص آخر من أية قومية أخرى بهويته القومية التي لا تتعارض مع إنتمائه الوطني أو الديني أو ما شابه ذلك .

أما فيما يخص النجمة الرباعية المستخدمة في بعض تقاويم ومطبوعات الكنيسة الكلدانية منذ منتصف عقد السبعينات والتي توقف عن إستعمالها نيافة الكاردينال ، غبطة البطريرك عمانوئيل الثالث دلي بعد تسنمه للسدة البطريكرية ، فإنها لم تكن يوماً شعاراً للكنيسة الكلدانية ، وإنما هي الشعار الخاص بغبطة البطريرك الراحل مار روفائيل الأول بيداويد الذي حاول أن يطبع الكنيسة الكلدانية بالأفكار التي أنبثقت عن مؤتمر الاتحاد الآشوري العالمي المنعقد عام 1975م في نيويورك وذلك بسبب إعتقاد شخصي .

أما (الشعار الرسمي) للكنيسة الكلدانية فهو الشعار (المسيحي) الذي عاد إلى إستخدامه نيافة الكاردينال ، غبطة البطريرك مار عمانوئيل الثالث دلي الكلي الطوبى بعد سيامته بطريركاً على الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية المقدسة ، ويتألف الشعار الكنسي (الصحيح) للكنيسة الكلدانية من مشهد مركزي يضم العائلة المقدسة داخل المذود في بيث لحم ، فيما يسجد أمام رب العرش (يسوع الطفل) ثلاثة من الملوك المشارقة الوثنيين (قدامى الكلدان) مع رموز كنسية ودينية وعبارة بالكلدانية هيّ (حزين كير -Gear- كوكويه بمدنحا) التي تعني (رأينا نجمه في المشرق) ، إضافة إلى عبارة أخرى هيّ (بطريركية بابل للكلدان) باللغات الكلدانية والعربية واللاتينية ، وكنت قد نشرت هذا التوضيح في العدد الأول من مجلة كلدو لعام 2002م .

وفي زيارة خاصة لي لسيادة المطران إبراهيم إبراهيم الجزيل الإحترام بتاريخ السادس والعشرين من شهر آذار لعام 2004م ، وخلال محاورة مع سيادته ببعض الشؤون أعطاني بطاقة التهنئة الخاصة بغبطة مار عمانوئيل الثالث دلي التي حملت الشعار الرسمي (الديني) للكنيسة الكلدانية ، كما وصلني بعد تلك المقابلة طرداً بريدياً أستلمته عن طريق المطرانية وكان الطرد يحتوي على الرسالة الراعوية لغبطة مولانا مار عمانوئيل الثالث دلي بشكل كراس صغير يزين غلافه الأخير الشعار الرسمي (الصحيح) للكنيسة الكلدانية ، وهيّ محاولة ذكية من راعي الكنيسة الكلدانية الأعلى لإعادة تسيير دفة الكنيسة وفق التوجهات الروحية متجنباً تعقيدات السياسة ومنزلقاتها ، وهذا ما يؤكد وبخاصة لمن يجهل هذه الحقائق ، بأن النجمة الرباعية ليست النجمة الرسمية للكلدان على الصعيد الديني كما يتوهم البعض .


وإن لم تكن النجمة الرباعية هيّ النجمة الصحيحة للكلدان على المستوى الكنسي ، فهل هي كذلك على الصعيد التاريخي والقومي ؟

تؤكد الإثباتات المادية التاريخية بأن النجمة الرباعية لم تكن النجمة الخاصة بالسكان الأصليين الوسط جنوبيين أي سكان الإقليم البابلي من الكلدان الأوائل بناة أريدو 5300 ق.م ، لأنها وبكل بساطة نجمة هامشية ودخيلة على الحضارة البابلية بشكل عام والعهد الذهبي الكلداني بشكل خاص ، إذ لم تستخدم هذه النجمة في المسلات الرافدية على طول التاريخ البابلي إلا في أربع حالات نادرة وهي :

1- في أحجار الكودورو الكشية ، وهي أحجار حدود أوجد إستعمالها لأول مرة غزاة آسيويون جبليون عرفوا في التاريخ بأسم الكشيين نسبة لإلهتهم كشو ، وهؤلاء الأقوام الجبلية الهندوأوربية لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بوادي الرافدين أو بالكلدان عرقاً أو لغة .

2- في حجر حدود كودورو الملك نبوخذنصر الأول وهو ليس الإمبراطور الشمس نبوخذنصر الثاني أبن نبوبلاصر ، وقد أستعمل فنانو هذا الملك في حجرة الحدود الخاصة به الإسلوب الكشي الشائع في عصرهم آنذاك ، وهو الأسلوب الذي أستخدمه الكشيون الذين حكموا الإقليم البابلي لما يقرب من أربعمائة عام فأثروا وتأثروا بالحضارة الرافدية ، وبديهي أن الإسلوب المستخدم في كودورو نبوخذنصر الأول هو إسلوب (دخيل) خاص بهؤلاء الملوك الأجانب .

3- من قبل الحاكم المحلي (نبو أبلا إيدينا) وهو حاكم كلداني محلي لا حول له ولا طول ، نصبه الملوك الآشوريون حاكماً محلياً بأسمهم على بابل عام 870 ق.م إبان فترة تفوقهم عسكرياً ، وتتسم فترة حكمه القصيرة بالتبعية لإقليم آشور وبسيادة الفوضى وإنحسار الروح الوطنية البابلية وإنكماش الحماسة القومية الكلدانية ، ولهذا فقد استخدم في لوحه المكرس للإله شمش رمزاً شمالياً لم تستخدمه المسلات البابلية مطلقاً وذلك تزلفاً لولي نعمته آشورناصربال الثاني ، الذي كان متأثراً بدوره بالتصورات الآسيوية الشوبارية الأجنبية السائدة آنذاك في إقليم آشور الذي كان يتسمى على المستوى الشعبي بأسم (بلاد شوبارو) .

4- مسلة الملك نبونائيد في حران وهيّ غير مسلته الأخرى التي رمز فيها للإله شمش بقرص مجنح ، وبديهي أن يستخدم النحات الشمالي في مسلة نبونائيد ثقافته الشوبارية (الأجنبية) لتصوير رموز الآلهة وفق العقلية الشمالية التي لم تكن تعنى بالتفاصيل المتعارف عليها في الإقليم البابلي ، وخير دليل على ذلك أن نجمة الإلهة عشتار الثمانية من دون حزم الأشعاع المتموجة نفذت تارة بستة رؤوس وتارة أخرى بسبعة رؤوس وفي كلتا الحالتين جانب النحات الشمالي الصواب ، ومما يؤكد تأثير الثقافة الشوبارية لإقليم آشور على منفذي مسلة نبونائيد ، أنها لم تستخدم في بابل كما أنها كانت موجهة أصلاً لمخاطبة سكان الإقليم الشمالي الذين كانوا قد تطبعوا بهذا الرمز الأجنبي الدخيل منذ عهد الهيمنة الشوبارية الأولى .

في المقابل كانت (النجمة الثمانية) أساسية ومستخدمة في الإقليم البابلي منذ عهد الكتابة الصورية وهو عصر سيادة الكلدان الأوائل في الألف السادس ق.م حيث كانت النجمة ترسم بشكل أربعة خطوط متقاطعة ينتج عنها نجمة بثمانية رؤوس ، ثم صارت تكتب منذ مطلع الألف الثالث قبل الميلاد بشكل أربعة مسامير متقاطعة (ثمانية رؤوس) ، ويقرأ هذا الرمز دنكر بالسومرية -Dinger- وإيلو بالأكدية -Ilu- ، وظلت هذه المسامير المتقاطعة (ثمانية الرؤوس) مستخدمة حتى عهد آخر رقيم طيني وصلنا من الإقليم البابلي بحدود 80م ، أي أن إستخدامها قد أستمر على طول فترة تزيد على خمسة آلاف عام ، كما إن النجمة الثمانية قد أستخدمت أيضاً بشكلها الثماني الأصيل في الفخاريات الرافدية منذ العهود الموغلة في القدم ، وقد وصلتنا منها نماذج تعود إلى حقبة سامراء 5500 ق.م .

وكتأكيد على ما نذهب إليه فإن الملك نرام سين -2254-2218 ق.م -Naram Sin- حفيد الإمبراطور الكلداني شروكين 2334-2279 ق.م -Sharru kin- مؤسس الإمبراطورية الأكدية قد أستخدم نقش (النجمة الثمانية) في مسلته الشهيرة التي تصور إنتصاره على قبائل اللولوبيين الآسيويين ، وقد حاول العيلاميون طمس معالم هذا النقش من المسلة فيما بعد ، لكن خشيتهم من العواقب الإلاهية لآلهة بابل جعلهم يترددون من طمس كامل معالم الرمز ، فعاد البابليون إلى نحت النجمة ثانية بشكلها البابلي الثماني فيما بعد ، ولهذا تنفرد مسلة الملك نرام سين بوجود نجمتين ثمانيتين واحدة مشوهة وأخرى كاملة ترمزان لمعنى واحد هو شمش / الشمس (الخير والعدل / الحضارة) .

ولو اطلعنا على النجوم المستخدمة في عصر الإمبراطورية الأورية أو كما تسمى سلالة أور الثالثة لوجدنا محافظة الملوك السومريين على إستخدام النجمة الرافدية القديمة التي أبتدعها الكلدان الأوائل أي (النجمة الثمانية) الرسمية للإقليم البابلي ، ويلوح ذلك جلياً في مسلات أورنمو الشهيرة ، وقد بقيت هذه النجمة الثمانية في الإستخدام إبان العهد البابلي الأخير الذي يسمى مجازاً بالعهد الكلداني الإمبراطوري أو سلالة بابل الحادية عشر ، ولنا في المسلة التي نشرت من قبل كل من الباحثة والمؤرخة الفرنسية آني كابيه -Annie Caubet- والآثاري باتريك بويسيغر-Patrick Pouyssegur- في كتابهما الموسوم (الشرق الأوسط القديم) ص183 خير دليل ، حيث تناولا بالشرح أحدى المسلات البابلية التي تحمل النجمة الثمانية الكلدانية المتواجدة في متحف اللوفر ، والملاحظ في شرحهما ذاك أنهما لم يكتفيا بالإشارة إلى عائدية المسلة للإقليم البابلي وإنما أكدا على كونها من عهد السلالة الكلدانية الذهبية (سلالة الملك الشهير نبوخذنصر الثاني) ، وتؤكد مسلات مردوخ أبلا إيدينا الثاني -Mardukh Apla Iddina II- الذي نفر من الإسلوب الكشي (الهندوأوربي) والآشوري (الشوباري / الآسيوي) نفور عامة الكلدان من التقاليد الأجنبية ، فعاد في مسلته إلى إستخدام الرموز الشهيرة القديمة المتفق عليها في الإقليم البابلي ، وهذا هو ما فعله تماماً نبوخذنصر الثاني -Nebuchadnezzar II- في مسلته المكتشفة مؤخراً .

وكمثال أخير على كون (النجمة الثمانية) هي النجمة الكلدانية البابلية ، فإن الإله الوطني للبابليين أي إله الكلدان الرسمي مردوخ -Mardukh- كان يزوق جسمه بزخارف أساسها النجمة الثمانية -Eightfold Star- كما في ختم الملك الكلداني مردوخ ذاكر شمي 854-819 ق.م -Mardukh Dhakir Shumi I- ، كما أن الكلدان القدماء عندما رسموا تصورهم للعالم بشكل خريطة فإنهم لم يستخدموا النجمة الرباعية الأجنبية وإنما أستخدموا النجمة الرسمية الثمانية لنقل تصورهم الكلداني عن العالم ، وتعد هذه الخارطة الكلدانية اليوم أقدم خارطة للعالم في التاريخ البشري .

لهذه الأسباب المستندة جميعاً إلى الأسس العلمية والبحث التاريخي الدقيق فإننا قد تأكدنا من أن النجمة الكلدانية هي (النجمة الثمانية) البابلية وليس النجمة الأجنبية الرباعية التي أستخدمها البعض من الرافديين تأثراً بالثقافات الأجنبية الشوبارية والكشية ، ولبطلان مصداقية النجمة الرباعية من الناحيتين القومية والوطنية ، فقد عمد الفنان عامر فتوحي (مبتكر ومصمم علم الكلدان القومي) إلى تجاوز بعض تصاميمه السابقة التي أعتمد فيها النجمة الرباعية بدوافع دينية ، بخاصة وأن العلم الكلداني هو علم قومي وليس علماً كنسياً ، وهكذا كان الخيار النهائي للفنان أن يقدم علماً قومياً بدلالات تراثية وطنية رافدية ، ولم يكن هنالك أفضل من إعادة تصميم النجمة الكلدانية الثمانية البابلية مع إضافة عناصر بصرية أخرى ، جعلت من العلم الكلداني علماً فريداً في العالم كله ، لأنه العلم الوحيد الذي يستخدم الخطوط العمودية كرموز وطنية معبرة بشكل جمالي وعملي عن وطننا الأم بيث نهرين / وادي الرافدين .

إن أهمية (النجمة الثمانية الكلدانية البابلية) لم تتوقف عند إستخدامها في التاريخ القديم ، بل أنها بقيت في الإستخدام خلال العصور اللاحقة وخير مثال على ذلك تشكيلاتها إبان العصر العباسي الزاهر الذي كان أساسه الفن البابلي القديم ، حيث أستخدمت النجمة الثمانية في الخط والزخرفة والرقش والأربسك -Arabesque- والحفر في الحجر وعلى الخشب وفي تصميم القباب وأشهرها القبة المعروفة بالقبة الصليبية ، وتواصل إستخدامها في العهود اللاحقة حتى أستخدمت كشعار للجمهورية العراقية عام 1958م ، بعد أن أعتمدها أثنان من مؤسسي الفن الحديث في العراق ، هما الفنان الخالد جواد سليم (المصمم) والأستاذ الفنان الرائد عيسى حنا دابش (المنفذ) الرئيس العام للرابطة الدولية للفنانين التشكيليين المحترفين الكلدان ، حيث قاما عام 1959م بتصميم وتنفيذ شعار الجمهورية العراقية بعد ثورة الرابع عشر من تموز، أما سبب إختيارهما للنجمة الثمانية فهي كما ذهب إلى ذلك الأستاذ دابش (لأنها تمثل وطنياً كل حضارة بيث نهرين) ، بينما لم تمثل النجمة الرباعية المحدودة الإستخدام إلا نموذجاً دخيلاً .

والحق فإن بوسع كل من يريد التأكد من لا شرعية النجمة الرباعية لتمثيل الأمة الكلدانية ، أن يراجع المسلات الوطنية البابلية المنجزة في الإقليم البابلي سواء كانت تلك التي أنجزت قبل العصر البابلي القديم أم خلال العصرين البابليين القديم والحديث على حد سواء ، ليتأكد من أن (النجمة الثمانية الكلدانية البابلية) كانت وحدها رمز حضارة بيث نهرين ودليل عزته وسيادته وتميزه تاريخياً وحضارياً ، لهذا أعتمد الفنان فتوحي النجمة الثمانية الكلدانية البابلية العريقة لتزين علم الأمة الكلدانية إحتراماً لمنجزات أسلافنا الكلدان ووفاء لهم .

من اليمين إلى اليسار نماذج من من النجوم المستخدمة في وادي الرافدين القديم :
نجمة الكلدان الأوائل الثمانية من عهد الإمبراطور الكلدي نرام سين ، النجمة الرباعية الآسيوية من العهد الكشي ، النجمة الرباعية من العهد الآشوري القرن التاسع ق.م ، وأخيراً النجمة الثمانية الكلدانية البابلية من القرن السابع ق.م .

 

عامر حنا فتوحي
رئيس المركز الثقافي الكلداني الأمريكي – ديترويت
السابع من نيسان 7311 ك

www.amerfatuhiart.com

Apr 07, 2011

العودة للصفحة الرئيسية             العودة لأرشيف الكاتب