يجب ان لا نكون ودعاء فقط وانما حكماء أيضا!ا
عبدالأحد قلو

حسب اخر المعلومات المستجدة حول اعداد الكلدان وعلى مر التاريخ، فأنه يقال بوصوله لما يقارب 80 مليون نسمة في ايام عزهم وبادارة الكنيسة الكاثوليكية للكلدان، وقد كان ذلك ومنذ تغلغل المبشرون ومن ايام مار توما وماري وأدي والذين اعقبوهم، بعد ان وصل تبشيرهم الى اقاصي مناطق الشرق من الهند وباكستان والصين وبعض الدول المحاذية لأطراف روسيا. وبالمقارنة مع وضعهم الحالي الذي اصبح عددهم لا يتجاوز النصف مليون في بلدهم العراق وقرابة المليون في بلدان المهجر. ولا زلنا في مرحلة التنازلات وعلى مستوى الرئاسة وبالاخص الكنسية التي لا تتوافق مابين الايمان والالتزام القومي .. والكلدان يتشتتون بين هذا وذاك الذين يشكلون أغلبيتهم من المكون المسيحي العراقي في تناقص لحد الاندثار. اذا استمرت التنازلات والتهميش والاهمال وعلى هذه الحال. ولكن عجبي من معرفة السبب ولكننا لاندركه لأننا ودعاء كالحمام ولكننا لسنا حكماء كالحيات!!

كيف كان الكلدان تاريخا؟

علينا بأستمرار ان نستعين بشيء من تاريخنا بين مقالة واخرى وذلك للتذكير بماضينا التليد وللمقارنة وحسب الواقع الموجود الحالي فأن اقدم الحضارات المعروفة في الجزيرة العربية فقد كانت الحضارات ذات الأصول الحبشية في منطقة اليمن، والتي لا يعود تاريخ اقدمها لأكثر من الف ومائتي عام قبل الميلاد، فيما تعود حضارة أسلاف الكلدان(الأوائل الفراتيون) وفي مستوطن الكلدان التاريخي بالذات لأكثر من 5300 عام قبل الميلاد، لو راجعنا المعنى الدقيق للتسميات التي اطلقت على سكان العراق القديم منذ العصر المجهول وحتى نهاية الحكم الوطني لعموم وادي الرافدين سنة 539 ق.م أي مع نهاية الامبراطورية البابلية الحديثة/ السلالة الكلدانية الامبراطورية، لأستوقفتنا حقيقة دامغة ومثيرة في آن واحد، وهي ان من بين جميع التسميات القديمة سومر وأكد، بابل وآشور، لم يعرف العراق القديم الاّ تسمية كلدو(الكلدان) فيما استمدت التسميات الاخرى والتي تعود تسمياتها اما بدلالة موقعها الأقليمي او بسبب انتسابها الجغرافي او الطبوغرافي.

ومن المعروف لدى معظم المؤرخين الرافديين فأن اول ملك كلدي في التاريخ ذكر أسمه بصيغة كلدية هو ألولم الذي ملك على أريدو/ مركز مستوطن الكلدان التاريخي القديم وذلك في اقدم سلالات ما قبل الطوفان.

وايضا فان اول ملك ما بعد الطوفان في الاقليم البابلي ضمن اول سلالة حاكمة، فقد كان الملك الكلداني نمرود الذي وصف في الكتاب المقدس بالجبار (كورا) وتحديدا في منطقة كيش/كوش الكلدية والمحاذية لبابل العاصمة فيما بعد.

وبعدها ماذا حدث للكلدان؟

وبعد هذه السويعة التاريخية للكلدان، فقد حدث وان اندمج معظم الكلدان في الاقليم البابلي وبمرور الزمن فقد اصبحوا بمسمّى البابليين والذين ارتحل منهم الى اقليم اشور فقد سميوا بالاشوريين نسبة لهذا الاقليم، ولكنهم عادوا ودحروا الاشوريين في سنة 612 ق.م تحقيقا لنبوة النبي ناحوم الذي تنبأ بسقوط الامبراطورية الاشورية والمتبقي منهم اندمجوا مع الاقوام الاخرى بعد تشتيتهم. ولكن الامبراطورية الكلدانية فهي ايضا ’قضي عليها في سنة539 ق.م من قبل الفرس الاخمينيين والذين لجئوا الى مناطق اكثر آمنة في مناطق وضواحي نينوى كتلكيف والقوش وبرطلة وبغديدا وغيرها من مناطق سهل نينوى وأيضا من وصل بهم الحال وللأمان الى البلدات والقرى المتناثرة على سفوح الجبال لشمال العراق من قرى زاخو والعمادية ومانكيش ودهوك وغيرها والذي تجلّى ذلك باعتناقهم للمسيحية ومنذ القرون الاولى من التبشير بها. وحتى اشيع بأن مار توما الرسول قد جاب تلك المناطق في شمال العراق ومنها مانكيش والتي تعني بالسورث (من/ كشلي) اي( الذي لمس) وحتى هنالك قلعة حصينة في جبل مانكيش مسماة باسم مار توما الرسول(وهذا كاحتمال وارد). وللكلدان ايضا ذكر في كتب طقس الرمشا (الحضرة) وكذلك الكتاب المقدس الذي يتطرق اليهم كثيرا وبالاخص في سفر التكوين. الا ان المد الاسلامي الذي اجتاح العراق في القرن السابع والثامن الميلادي طمس تسميتهم الكلدانية، وتسمى من تبقى منهم بالمسيحيين السريان الشرقيين ليبقوا كأهل الذمة تحت اِمرة المسلمين ان لم يستسلموا. وقد كان للمطران يوسف بابانا رؤية واضحة عن غموض تسميتنا عندما ذكر في كتابه ( القوش عبر التاريخ) عن حقيقة الكلدان بما يلي:

(كانت النتيجة وخيمة علينا حيث لم يعرف اسمنا وتاريخنا الا بأسم الكلدان وهذا شرفنا وفخرنا ولكن صار غريبا علينا من جراء هذه التسمية نظرا لمرور15 قرنا تقريبا بأسم السريان او السريان الشرقيين وآبائنا وتاريخنا مع مؤلفاتهم تعرف بأسم السريان والحق انهم كلدان) انتهى الاقتباس

وليس ذلك فقط ، فحتى عن لغتنا الكلدانية التي طغت عليها مسميات عديدة لا بل وصل احد الكتّاب المتميزين في المواقع الالكترونية بأن تسمى باللغة السريانية، وانني على يقين بانه عارف بحقيقة لغتنا الكلدانية ولكن من مبدأ تماشيا مع الموجة السائدة وحبا بالبروز بالاضافة الى غير ذلك! ، بالرغم من ضلوعه علميا في مجال اللغة. ولكنه لتحقيق رغبة ما في نفسه اتهم من يخالف التسمية السريانية بالخيانة العظمى ولو كانت بيده السلطة لفعلها!! وهو العارف بأن حتى الكتب المقدسة تشهد على الكلدان ولغتهم ومنها ما جاء على لسان النبي دانيال بقوله:

(فِتْيَاناً لاَ عَيْبَ فِيهِمْ حِسَانَ الْمَنْظَرِ حَاذِقِينَ فِي كُلِّ حِكْمَةٍ وَعَارِفِينَ مَعْرِفَةً وَذَوِي فَهْمٍ بِالْعِلْمِ وَالَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ عَلَى الْوُقُوفِ فِي قَصْرِ الْمَلِكِ فَيُعَلِّمُوهمُ كِتَابَةَ الْكِلْدَانِيِّينَ وَلِسَانَهُم 1:4 علما بأن السريانية لم يكن لها ذكر يستحق في الكتاب المقدس.

وهنالك العديد من الاثباتات على وجود لغتنا الكلدانية التي طعمت بالارامية عند تواجد الاقوام الارامية في اقاليم بيث نهرين وبعدها تسمت بالسريانية لحين صدور قرار في زمن النظام السابق في سنة 1972م حول منح الحقوق للناطقين بالسريانية، وحاليا فقد استغلوا المجال التعليمي من مدارس ومنظمات ولجان في داخل القطر، والغاية منها لطمس اسم لغتنا الكلدانية والمستغرب في الامر فأن الذين يدعون بالاشورية تخلوا عن تسمية لغتهم بالاشورية وذلك لتكتيك ما، بالتحايل على التسمية السريانية انكليزيا، وبمعنى يكتبونها أسيريان بالانكليزي كونها مقربة لفظيا. المهم لايتم ذكر التسمية الكلدانية بتاتا وهذا جلّ مبتغاهم.

تكملة مراحل تهميش الكلدان

فبعد سقوط النظام السابق في 2003م وبتخطيط الانكليز وبتنفيذ امريكي تم اسكات الكلدان حول أن يكون لهم ممثل في المجلس الانتقالي العراقي بأمرة بول بريمر، بعد ان رفض مطلب بطريركنا الطيب الذكر مار عمانوئيل الثالث دلي بأختيار ممثل كلداني في هذا المجلس الذي كان ’منسق عليه مسبقا، ليتولاه المدعو يونادم كنا قناص الفرص وعن غير حق، ليمثل المسيحيين في هذا المجلس التعبان . وهكذا استمرت مآسي الكلدان بعد ان منحت حصصهم المادية بأيادي غير نزيهة من الحكومتين لتكملة السيناريو المعد لتهميش الكلدان وبمسميات ارادوا فرضها عليهم والمتقبلة من بعض ضعفاء الكلدان الذين استهوتهم الدولارات ليبقوا اذيال المتأشورين الذين ينفذون اجندة ليس من ورائها غير الخذلان لمكوننا المسيحي وبالاخص الكلدان . فلقد بدأ تنفيذ المخطط بتهجين بلدة عنكاوا الكلدانية والتي تجمهر عليها العرّابون وتغلغلوا فيها باسطين نفوذهم مجيرين بعض من اهاليها الذين يحبون الجاه والتسلق وتحت مسميات لا تمثل اهاليها الحقيقيين. وفعلا فقد اختلط فيها الحابل بالنابل ومشاريع بناء التهجين مستمرة بمساندة من يدعي بتمثيل اهالي عنكاوا وهنالك مواقع الكترونية ساهمت في دعم هذا التوجه في تسيّد الغربة على تلك البلدة.

وهكذا في تلكيف وبرطلا وبغديدا وغيرها بالاضافة الى القرى الشمالية يعملون ليل نهار لقلب الحقائق عن اهاليهم مستغلين نفوذهم المالي وبدعم الحكومتين في العراق لتغيير ديمغرافية وأثنية تلك المناطق التي غالبيتها كلدانية وسريانية ايضا.

سيدنا البطريرك وديعا متساهلا ولكن؟

لقد استبشرنا خيرا بانتخاب غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو لتسلم منصب البطريركية الكاثوليكية للكلدان، وكان لنا بالامل في اعلاء شأننا الكلداني في بلدنا العراق اولا وبعدها في بلدان المهجر وذلك من خلال لململة بيتنا الكلداني المتبعثرة ابرشياتها والمختلفة بتوجهاتها. وكان لنا الامل بأن يبدأ سيادته بتطبيق شعاره الاصالة والتجدد والوحدة على بيته الكلداني أولا لأعادة تاهيله وجمع اطيافه بداخله للحفاظ على اصالته التاريخية، على ان الكلدان هم السكان الاصليين للبلاد ويجب ان يأخذوا حقوقهم من جراء التهميش الحاصل لهم من قبل الاطراف الاخرى التي تفرض وجودها عليهم وهم بغير مستحقين لذلك التمثيل. وكان لنا الامل بأن يبدأ سيادته ليجدّد ويوحّد بيتنا الكلداني ليواكب التطورات الحاصلة في العالم، جاعلا الترابط ووسائل الاتصالات والعلاقات وكأنه قرية كلدانية مصغرة. هنالك مطران عاد لكنيسته الام وباعتزاز ليكون له مكانته في احدى ابرشياتنا ولو ذلك متروك للسينودس القادم ولكن غيرتنا تجعلنا نتدخل في امور تخيفنا عقباتها لسبب ما ان لم يدركوها!.

نعم يا سيدنا البطريرك، فعندما يكتمل بناء بيتنا الكلداني، عندها تستطيع ان تفتح ذراعيك لمن ظلّوا طريقهم خارجا عن كنيستهم الكلدانية الام، ومجريات التاريخ القريبة هي التي تجعلنا نحتكم لما نقوله وليس ذلك بكلام الجرائد او المواقع الالكترونية.

هل نسيت البيان الصادر من كنيستنا الكلدانية حول التدخل السافر من البعض الذين وددت اليهم بعد تنصيبك وكأنه لم يكن بشيء، بحيث حبكت الامور وسيطروا على اهم وقف مسيحي ديني الذي كان من المفروض ان يكون بأمرة كنيستنا وليس بمسمى سياسي استغل وارداته لتقوية شأنه وليتحكم بمصير اخوتنا الكلدان في الداخل من تعيين او اغداق الاموال للغير او تسليم المشاريع للمحسوبين عليهم. انه البيان الذي بلغ الوضع لحد الزبى وفاض الكيل من قبل هؤلاء النفر الذين ينخرون في جسد شأننا الكلداني ليل نهار وانت تمدهم بالهدايا والمحسوبية ليستمروا متسيدين في هذا الصرح وغيره.

كنّا نامل من سيادتك ان تبلور الامور وتحبكها لما هو صالح للكلدان ليس فقط دينيا وانما كوجود كلداني له شأن وأصالة في هذا البلد، بيث النهرين الرافدي العريق. ولكنك تتنازل عن موقعك وعنوانك لمن يحاول ان يجد نفسه وهم منعزلين قائمين لذاتهم بعيدا عن نسيج المكون الاكبر من المسيحية، وهل يقبلوا في الاندماج بكنيستنا الكاثوليكية الجامعة ام نلهث ورائهم لننعزل خارجا عنها، بتنازل سيادتك لحساب جاههم.

ان تساهل الكلدان جعل منهم ينخرطون زرافات وعلى شكل افواج في كنائس اخرى ان كان في داخل العراق او في بلدان المهجر، نعم ربما دينيا ليس ذلك مرفوضا ولكن لماذا يكون بيتنا خرابا وغيره عامرا. وكما قال احد الكهنة الكلدان الغيورين في لقاء معه: لنهتم ببيتنا وقبل ان يرحل الاخرين لبيوت اشقائنا!

اذن اين الخلل؟

وحسب اعتقادي فأنه يجب ان ننمّي بذرتنا الكلدانية النائمة بأحشائنا لترافق بذرة ايماننا بديننا المسيحي وكلاهما يقوّيان احدهما للآخر واللذان ’يفعّلان من وجودنا للحفاظ على اصالتنا لثبات كنيستنا بشعبها الكلداني العريق.

سيدنا الجزيل الاحترام لمقامكم، ولكي لا اريد ان اطيل ايضا، ولكن صحيح ان ربنا المسيح يريدنا ودعاء كالحمام ولكن حكماء كالحيات ودمت لسداد خطواتكم بنعمته، آمين

عبدالاحد قلو

ملاحظة: لقد تم الاستعانة بكتاب (الكلدان منذ بدء الزمان) للمؤرخ الرافدي الاستاذ عامر حنا فتوحي في فقرة (كيف كان الكلدان تاريخا) وكما ذكر اعلاه وشكرا.

22/3/2013

العودة للصفحة الرئيسية         العودة لأرشيف الكاتب